من كردفان، حيث الرمال تنطق بتاريخ المقاومة، و الجبال تحفظ حكايات الصمود، سقطت النهود… لا كمعركة عسكرية فقط، بل كحلقة محكمة في مسلسل طويل اسمه: “هندسة الانهيار المجتمعي”. لم تسقط النهود، بل رُسمت بها ملامح خريطة جديدة، أرادها البعض بلا جيش، بلا دولة و بلا كرامة.
النهود لم تكن هدفًا… بل كانت الرسالة.
لم يدخلوا النهود بجحافل الدوشكا، بل تسللوا إليها عبر الأنشطة “الرحيمة”، و التكايا “الحنونة”، و قوافل “الإغاثة” المموّهة. استبطنوا الحرب داخل المجتمع، حتى بات الخبز سلاحًا، و المساعدات كمائن و الرحمة فخًا. كل كيس دقيق، و كل وجبة ساخنة، كانت رصاصة صامتة تخترق الجبهة الأهم: جبهة الوعي.
غرف الطوارئ… صالات عمليات ناعمة لإعادة تدوير الجريمة:
حين تمنح غرفة طوارئ تابعة لمليشيا الدعم السريع جائزة “الإنسانية”، فلا تحتفل… بل تحقق: من منح؟ لماذا الآن؟ و من يهنئ؟ و ما المشروع من خلف الستار؟ حين يبعث عبد الله حمدوك بتهنئة حارّة، لا لمصاب في (كرينك) أو (كلبس)، بل لغرفة طوارئ تديرها المليشيا، فافتح عينيك: هذه ليست مبادرات، بل غرف عمليات لإعادة تقديم القاتل على هيئة منقذ و المجرم كفاعل خير.
التكايا… حين تتحوّل الرحمة إلى بوابة للاحتلال المجتمعي
التكايا ليست مجرد إطعام جائع… إنها، ببساطة، قنبلة ثقافية موقوتة. المليشيا لا تقدم الطعام حبًا، بل لتنتزع السيادة لقمةً لقمة، و تمحو هيبة الدولة، تكيةً تكية. فكلما زادت التكايا… تراجع حضور الدولة. و كلما علا صوت الخبز… خفت صوت الوطن.
“تأسيس”… مشروع تفكيك باسم “المدنية”:
ما يسمى بـ “تيار تأسيس” ليس تيارًا وطنيًا، بل مركبًا يُقاد عن بعد. يستثمر في الغضب الشعبي، و يُدغدغ حلم “المدنية”، لكنه في الحقيقة يرسم خارطة طريق لتقويض الدولة، و تذويب الجيش و تفكيك الوعي. هم لا يؤسسون دولة… بل يؤسسون هشاشة. لا يبنون وطنًا… بل يصنعون غابة من الولاءات.
سقوط النهود… تتويج لسيناريو دولي بإخراج محلي:
بحسب إستراتيجية الجسر و المورد، فإن ما جرى في النهود ليس استثناءً، بل نتيجة لخطة خماسية:
١. تمكين مجتمعي موازٍ: تكايا، قوافل، و خدمات تعوّض غياب الدولة… لا لإسعاد الناس بل لابتلاعهم.
٢. تشويه الفاعلين الوطنيين: تشويه صورة الجيش، و تخوين النخب حتى يُترك الميدان للمليشيا وحدها.
٣. استغلال سردية الإنسانية: تحويل العمل الإنساني إلى ستار سياسي، يشرعن القتل بالخبز.
٤. غرس ولاءات هشة: لا تقوم على اقتناع، بل على احتياج… الولاء مقابل الطحين!
٥. التشبيك مع الخارج: جوائز، تغطيات، مؤتمرات… كلها جزء من حملة “غسيل المليشيا”.
الرد؟ ليس بالبكاء على النهود… بل بصناعة وعي جديد:
١. استعادة الفضاء المجتمعي: عبر مبادرات وطنية صلبة، تنبع من الدولة، وتنتصر للمواطن بكرامة لا بفتات.
٢. تفكيك الشبكات الناعمة: ليس بالقمع، بل بالفضح. من يمولهم؟ من يخطط لهم؟ ما هي أجندتهم؟
٣. تأميم الفعل الإنساني: يجب أن يكون تحت مظلة الدولة، لا خنجرًا في خاصرتها.
٤. ترسيخ استراتيجية الجسر والمورد: مشروع سوداني شامل، يجمع بين السيادة و الشرعية، و يصنع المعادلة الذهبية لبناء وطن لا يُباع و لا يُشترى.
أصل القضية… من النهود إلى الخرطوم، ومن المعركة إلى المعنى:
النهود لم تسقط لأن رجالها هربوا، بل لأن “المعركة” كانت غير متكافئة: سلاح ناعم، وخطاب مخادع، وخيانة داخلية مموّهة بالخدمة. لكننا هنا لنقول:
- السودان لا يُهزم بكيس دقيق… ولا يُباع بجائزة مزيفة.
- السودان ليس هوامش و غرف طوارئ… بل شعب و وعي وجيش ودولة.
“الجسر و المورد”… ليست مجرد رؤية، بل وعد استراتيجي بأن هذا الوطن، رغم جراحه، لن يسقط.
لأننا نحن هنا. و لأنك أنت هناك.
و لأن النهود – التي حاولوا بها إسقاط السودان – ستنهض… و تكتب لنا البداية من جديد.

