هناك أشخاص لا يحتاجون أن يعيشوا بيننا حتى يفهموا سرّ هذه البلاد.
يكفي أن تلامسهم قصتنا من بعيد، فيتغير داخلهم شيء لا يعود لما كان عليه.
ومن بين هؤلاء ظهرت (جانيت) … امرأة لم يكن السودان جزءًا من مسار حياتها، بل أصبح – بمرور الوقت – جزءًا من تكوينها ذاته.
في لوس أنجلوس، حيث تُصنع سرديات القوة وتُعدّ خرائط النفوذ، كانت جانيت تتابع ما يحدث في السودان. البداية لم تكن عاطفية، بل مهنية… لكن السودان لا يفتح بابه لأحد من باب المهنة فقط.
هي من ذلك النوع من العقول التي تعرف غرف القرار، وتفهم كيف تتحرك القوى الكبرى، وتدرك كيف يُصنع الصوت حين يغيب صوت الضعفاء.
ولكن وسط كل هذا، وجدت نفسها أمام بلد لا يُشبِهُ ما قرأته في الملفات ولا ما صاغته الدوائر السياسية.
شيئٌ غريب جعلها تنحاز – لا لجهة – بل للحقيقة.
ومن يومها لم يعد السودان بالنسبة لها “موضوعًا” في تقرير، ولا “ملفًا” على مكتب، ولا “عقدًا” في كواليس السياسة.
صار إنسانًا، وصارت هي – بطريقة يصعب تفسيرها – أقرب إليه من كثيرين يعيشون فيه.
أدهشها أن بلدًا يصفه العالم بالهشاشة، يملك هذا القدر من الصلابة الأخلاقية.
وأن الفقر لم يقتل كرامة الناس وأن الحرب لم تنزع عنهم نزعة الخير.
هذه التفاصيل الصغيرة التي لا تلتقطها الأقمار الصناعية ولا نشرات الأخبار هي التي جعلتها ترى في السودان ما لم يره الآخرون.
ومع كل موقف، وكل مشهد، وكل شهادة على الألم والصمود، كانت السودانية تكبر فيها.
لا لأنها تبنّت خطابًا، بل لأنها اتخذت موقفًا.
كانت تفهم لغة المجتمعات، وتعرف أوزان الكلمات في عالم يُدار أحيانًا بالرموز لا بالحقائق.
ومن موقعها — القريب بما يكفي ليُسمع صوتها، والبعيد بما يكفي ليكون حياديًا — كانت تدافع عن السودان بطريقة صارت أقرب إلى واجب أخلاقي منها إلى رأي سياسي.
وتدريجيًا، أصبحت جانيت واحدة من تلك النماذج التي تُثبت أن السودان حين يتحرك في وجدان أحد، لا يفعل ذلك بنصف طريق.
إما أن يترك أثرًا كاملًا… أو لا يفعل شيئًا.
ولهذا، حين نتحدث في رؤية الجسر والمورد، يمكن رؤيتها بوضوح فيها:
– جسر لأنها عبرت بين الساحات السياسية والإنسانية دون أن تفقد اتزانها.
– ومورد لأنها آمنت أن أثمن ما يمكن الدفاع عنه في السودان ليس الذهب ولا النفط، بل الإنسان السوداني نفسه.
#أصل_القضية …
لم تصبح جانيت “منا” لأنها رفعت شعارًا،
بل لأن السودان — رغم المسافة — تحوّل في داخلها إلى ضمير.


