«أخطر أشكال السيطرةأن لا تشعر أنك خاضع لها».
منذ سبتمبر ٢٠١٨م، لم يُطلب من السوداني أن يتخلى عن عقله،
بل طُلب منه -بلطفٍ شديد- أن يستخدمه داخل إطار جاهز.
لم يقل له أحد: لا تفكّر، بل قيل له:
فكّر… لكن هنا فقط.
اسأل… لكن بهذا السقف.
افهم… لكن بهذه النتيجة.
وهنا يبرز السؤال الأول، الأبسط، والأخطر:
من الذي قرر أن هذا هو “الوعي”؟
حين يتحول الوعي من فعل إلى قالب
الوعي، في معناه الطبيعي، هو قدرة على:
الفهم
الربط
الشك المنهجي
ورؤية التعقيد
لكن ما حدث بهدوء منذ ٢٠١٨م، أن الوعي أُعيد تعريفه ليصبح:
موقفًا جاهزًا،
لغة محددة،
ردود فعل متوقعة
وعداءً تلقائيًا لكل سؤال.
فلم يعد يُقاس بعمق الفكرة، بل بمدى التزامها بالسردية السائدة.
متى يصبح السؤال مشكلة؟
لاحظ بهدوء:
في أي لحظة أصبح السؤال نفسه مدعاة للريبة؟
لماذا يُستقبل السؤال بالتخوين؟
لماذا يُربط الاستفهام دائمًا بالانحياز؟
لماذا يُقال لك: التوقيت غير مناسب؟
السؤال لا يُرفض لأنه خاطئ، بل لأنه غير مُدرَّب.
السردية لا تخاف الإجابة، بل تخاف السؤال الذي لا تعرف إلى أين سيقود.
من يملك تعريف الوعي… يملك توجيه الغضب
حين يُعرَّف الوعي تعريفًا واحدًا،
فكل من يخرج عنه يُصنَّف تلقائيًا:
جاهل
مضلَّل
أو أسوأ… “خارج الصف”
وهكذا يُعاد توجيه الغضب الشعبي: ليس نحو التعقيد الحقيقي للأزمة،
بل نحو أشخاص،
وأصوات،
وأسئلة.
فيتحوّل الوعي من أداة تحرير، إلى أداة فرز وإقصاء.
الحرب كاختبار نهائي للسردية
مع الحرب،
ظهر الامتحان الحقيقي:
هل الوعي يعني أن:
تفهم ما يجري؟ أم أن تتبنى تفسيرًا واحدًا لما يجري؟
كثير مما سُمّي “وعيًا” لم يكن فهمًا، بل اصطفافًا عاطفيًا مُسبقًا.
ومن خرج عن الاصطفاف، لم يُناقَش…بل شُكِّك في وطنيته.
رؤية الجسر والمورد: استعادة السؤال
في الجسر والمورد،
نحن لا نبحث عن إجابة واحدة،
بل عن حق السؤال.
لأن:
الوعي الذي يخاف السؤال… ليس وعيًا
والوطن الذي لا يحتمل الأسئلة… يُستلب من الداخل
الجسر يبدأ بسؤال:
كيف نعبر دون أن نحترق؟
أصل القضية،،،
هذا المقال لا يطلب منك أن تغيّر موقفك، ولا أن تنقلب على قناعاتك،
بل فقط أن تسأل: من الذي قرر أن هذا هو الوعي، ولماذا يُمنع إعادة تعريفه؟
إن كان الوعي حقيقيًا، فلن يخاف هذا السؤال..وإن ارتبك…
فربما حان الوقت لنعرف لماذا.
غدًا مع أصل القضية نطرح السؤال الثاني .

