في مقال سابق تحدثنا عن تأثير السودان اقتصاديًا من الحرب الإيرانية الإسرائلية الأمريكية، و بينا فيه الآثار السالبة و الفرص المتاحة على المديين القريب و البعيد. ونحاول في هذا المقال الربط بين الواقع والطموح في أن السودان محور استراتيجي عالمي كموقع استراتيجي للقارة الأفريقية. و نرى الآن أن تركز الأنظار على مضيق هرمز. يمر السودان بلحظة نادرة مع نهاية وشيكة لحرب مدمرة امتدت لأكثر من ثلاث سنوات، وانفتاح على متغيرات إقليمية تعيد تعريف القيمة الجغرافية عمومًا، وفي هذا المقال نناقش كيف يمكن للدولة السودانية أن تحول موقعها من لعنة جوار إلى فرصة تموضع استراتيجي.
تشير المؤشرات الميدانية إلى أن القوات المسلحة السودانية بات يسيطر على أكثر من خمسة وثمانين بالمئة من مساحة البلاد مع حصر ميلشيا الدعم السريع في مناطق محدودة، هذه اللحظة رغم تكلفتها البشرية والمادية الهائلة وفرت فرصة نادرة لإعادة البناء من الصفر فالدمار في الخرطوم هو خسارة كبيرة، ولكن إلى نظرنا إلى أبعاد أخرى يمكن أن يتحول إلى لوحة بيضاء ولكن والمشكلة الحقيقية لا نراها في غياب التمويل بقدر ما هي في غياب رؤية إعادة إعمار غير تقليدية تعتمد على الشراكات الحقيقية مع القطاع الخاص المحلي و الإقليمي لا على المنح الخارجية الهزيلة التي طالما أطالت عمر التبعية، فالفرصة الحقيقية تكمن في تحويل العاصمة إلى نموذج للبنية التحتية الذكية وجذب صناديق إعادة الإعمار الخليجية التي تبحث عن مشاريع مربحة بعد انتهاء حرب الشرق الأوسط.
لكن الأكثر إثارة للاهتمام هو كيف يمكن لحرب الشرق الأوسط نفسها أن تتحول خلافا للسردية الشائعة من تهديد إلى فرصة فدول الخليج التي تستورد خمسة وثمانين بالمئة من غذائها تواجه الآن ارتفاعًا قياسيًا في تكاليف تأمين الشحن بسبب التوترات في مضيق هرمز، هنا يظهر السودان كمورد للغذاء قريب بامتياز فاللحوم و المحاصيل يمكن أن تصل إلى ميناء جدة في أقل من ثمان وأربعين ساعة بينما يستغرق الشحن عبر رأس الرجاء الصالح عدة أسابيع فهذا القرب الجغرافي لم يعد ميزة لوجستية فقط فقد أصبح ضرورة اقتصادية في زمن انغلاق الممرات البحرية التقليدية ويمكننا أن نقول بعبارة أخرى أن السودان يمكن أن يتحول من مستورد صاف للغذاء إلى مورد إقليمي رئيسي إذا ما أعيد تأهيل القطاع الزراعي الذي فقد ما يقرب من سبعين بالمئة من مدخلاته خلال الحرب.
الأمر نفسه ينطبق على قطاع التعدين في الذهب مع تصاعد التوتر الإقليمي ارتفعت أسعار الذهب إلى مستويات قياسية عالميا والسودان يمتلك أحد أكبر احتياطيات الذهب في أفريقيا لكنه يخسر حاليا ما يقدر بسبعين بالمئة من عائدات هذا القطاع بسبب التهريب و السيولة الأمنية أي إصلاح جاد في قطاع التعدين وأي قدرة على تنظيم عمليات الاستخراج والتسويق يعني إضافة مليارات الدولارات إلى الخزينة العامة و يعتبر وهذا وقت مثالي لإعادة هيكلة قطاع الذهب تحت مظلة رسمية وبعد ذلك وهو تحدي إداري قبل أن يكون تقنيا.
على صعيد آخر يمتلك السودان ساحل على البحر الأحمر يمتد لنحو ثمانمئة وخمسين كيلومترا وهو موقع كان في العقود الماضية مصدرا للتدخلات الخارجية والحروب بالوكالة، لكن مع اقتراب نهاية حربه الحالية، يمكنه أن يقدم نفسه كضامن للأمن البحري بدلا من أن يكون دولة ذات هشاشة اقتصادية و أمنية و دول الخليج ومصر بحاجة ملحة إلى شريك يضمن أمان الممرات البحرية في وقت تتصاعد فيه التهديدات والسودان يمكنه نظريا تأجير موانئه أو تطويرها في صفقات رابحة للطرفين، من غير الرضوخ لضغوط أحادية أي تعطيل لمضيق هرمز يزيد الطلب على الموانئ البديلة مثل بورتسودان لكن الميناء حاليا لا يتحمل طاقة كبيرة من السلع و البضائع وهنا تظهر فرصة استثمارية كبرى لتوسعته وتحديثه خاصة مع وجود طلب إقليمي متزايد على ممرات لوجستية بديلة.
بطبيعة الحال لا يمكن الحديث عن الفرص دون النظر إلى القطاعات الأكثر قدرة على الانتعاش السريع والتي في مقدمتها الزراعة التي يمكن أن تشهد قفزة نوعية في الصادرات خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة مستفيدة من قرب الأسواق الخليجية والأراضي غير المستغلة التي تزيد عن 200 مليون فدان يليه قطاع الثروة السمكية في البحر الأحمر وهو قطاع بالكاد تم استغلاله رغم إمكاناته التي تقدر بمليارات الدولارات، ولا يتطلب بنية تحتية ضخمة بقدر ما يتطلب سياسات واضحة وحوافز استثمارية، يليه ثم قطاع التعدين وخاصة الذهب الذي يمكن أن يصبح المصدر الأول للعملات الصعبة إذا ما تم القضاء على التهريب، وأخيرًا قطاع مواد البناء الذي يمثل سوقا ضخمة بفعل الحاجة الماسة لإعادة بناء أربع مدن كبرى دمرتها الحرب وهذا القطاع وحده يمكن أن يستوعب استثمارات بعشرات المليارات من الدولارات خلال السنوات الخمس المقبلة.
لكن كل هذه الفرص تظل حبيسة الأوراق و المقالات ما لم يتم تجاوز العقبة الأكبر هي الإرادة و الإدارة السياسية، فغياب الإرادة الإصلاحية الحقيقية وعدم وجود تنسيق حكومي واضح بين المؤسسات و قانون استثمار جاذب (يمنح إعفاءات ضريبية وضمانات لتحويل الأرباح) ومع استمرار ضعف هيئات مكافحة الفساد، وغياب الشفافية في إدارة الموارد الطبيعية، كلها عوامل قد تحول هذه اللحظة التاريخية إلى مجرد فرصة ضائعة. فالمراقبون للشأن السوداني يجمعون على أن البلاد تعاني من اقتصاد ريعي معتل وأن التغيير الحقيقي يحتاج إلى قطع جذري مع ممارسات الماضي وإلا فإن الصراع على الموارد قد يعيد إنتاج الحرب نفسها بشكل أو بآخر.
وفي نهاية القول يمكننا أن نقول السودان أمام نافذة فرصة تمتد لعامين كحد أقصى بعد انتهاء الحرب مباشرة فبعدها إما أن يكون نموذجًا لإعادة الإعمار بعد الحرب ومركزًا إقليميًا للأمن الغذائي واللوجستي، وإما أن يظل ضحية ثانية للصراعات الإقليمية يفوت فيها قطرات الفرص والخيار كما يوضح التاريخ الاقتصادي لا يعد في الموارد أو الجغرافيا السودانية، إنما لنوعية إدارة الحكم وقدرتها على التفكير خارج الصندوق ولو قليلًا، فالفرص متاحة لكن استغلالها يتطلب إرادة سياسية مختلفة تماما عما عرفه السودان في العقود الماضية.


