الدبلوماسية الأخلاقية بوصفها منهجًا
عُرفت المملكة العربية السعودية، عبر تاريخها السياسي الحديث، بدورٍ محوري في رأب الصدع وإطفاء نيران النزاعات في العالمين العربي والإسلامي، مستندةً إلى ثقلها الديني، ومكانتها السياسية ورصيدها الأخلاقي. ولم تكن مبادراتها يومًا تحركاتٍ تكتيكية عابرة، بل نهجًا ثابتًا في صناعة السلام، وهو ما ينعكس اليوم بوضوح في مقاربتها لملف الحرب في السودان.
أولًا: حرب لبنان واتفاق الطائف… السعودية ملاذ السلام
مثّلت الحرب الأهلية في لبنان واحدة من أعقد وأطول النزاعات في التاريخ العربي المعاصر، إذ استمرت أكثر من خمسة عشر عامًا، وهددت وحدة الدولة والنسيج المجتمعي. وفي لحظة تاريخية فارقة، نهضت المملكة بدورها العربي والمسؤول، فاحتضنت الفرقاء اللبنانيين على أرضها، مؤكدة أن السعودية لم تكن يومًا جزءًا من النزاعات، بل كانت دومًا ملاذًا آمنًا للسلام.
وفي عام 1989، وبرعاية مباشرة من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود – رحمه الله – جمعت المملكة القيادات اللبنانية في مدينة الطائف، حيث وُقّعت اتفاقية الطائف التي أنهت الحرب الأهلية، وأرست أسس إعادة بناء الدولة اللبنانية ورسّخت مبدأ الشراكة الوطنية والتوازن السياسي.
لم تكن اتفاقية الطائف مجرد تسوية سياسية، بل نموذجًا سعوديًا رائدًا في إدارة النزاعات، وتجسيدًا لدور المملكة كحاضنة للتوافق العربي ورافعة للاستقرار الإقليمي، وهو النموذج ذاته الذي تستلهمه اليوم في مقاربتها للملف السوداني.
ثانيًا: استمرارية الدور السعودي في السودان
انطلاقًا من هذا الإرث، تواصل المملكة جهودها الحثيثة لوقف الحرب في السودان، عبر مسارات سياسية وإنسانية متوازية، تهدف إلى وقف إطلاق النار، وفتح الممرات الإنسانية، والدفع نحو عملية سياسية شاملة لا تُقصي أحدًا. وتدرك الرياض أن استقرار السودان ليس شأنًا داخليًا فحسب، بل ركيزة أساسية لأمن البحر الأحمر، واستقرار القرن الأفريقي والمنطقة العربية بأسرها.
ثالثًا: السلام الحقيقي… أمنٌ وعدالة لا مساومات
السلام، في الرؤية السعودية، لا يقتصر على إسكات البنادق، بل يقوم على تحقيق الأمن والاستقرار، وبناء دولة القانون، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وجبر الضرر للضحايا. فالتجارب أثبتت أن أي سلام لا يُؤسَّس على العدالة، يبقى هشًا وقابلًا للانهيار، وهو ما يجعل المساءلة وعدم الإفلات من العقاب شرطًا أساسيًا لأي تسوية مستدامة في السودان.
رابعًا: أدوار خفية لإفساد مسار السلام
في مقابل هذا الجهد، تتحرك الإمارات العربية المتحدة – بحسب معطيات سياسية وميدانية – في مسارات غير معلنة تهدف إلى إرباك الدور السعودي وإعادة تشكيل المشهد السوداني بما يخدم أجندات التفتيت. وقد برز ذلك من خلال دعم اجتماعات لبعض الأحزاب والحركات المسلحة في نيروبي، سعت إلى تصنيفات سياسية انتقائية، في خلطٍ متعمّد بين كيانات فكرية وسياسية مختلفة.
وفي المقابل، جرى التغاضي عن توصيف الميلشيا المتورطة في جرائم جسيمة، رغم أن الدماء لم تجف بعد في دارفور، والفاشر و زالنجي، حيث سُجلت انتهاكات واسعة وعمليات تطهير عرقي. وكان الأجدر توجيه الاتهام إلى مصادر التمويل، بما في ذلك دوائر في أبوظبي، بدل تزييف الوقائع.
خامسًا: وحدة الداخل السوداني… خط الدفاع الأول
إن تماسك أهل السودان ووحدة صفهم يشكّلان خط الدفاع الأول في مواجهة مشاريع التفتيت. غير أن واقع بعض الأحزاب يكشف غياب الثوابت الوطنية، وارتهان القرار السياسي للأيادي الخارجية. واستعادة الدولة تبدأ بإعلاء المصلحة الوطنية، ورفض تحويل السودان إلى ساحة صراع بالوكالة.
سادسًا: كلمة الشعب… دعم الجيش ورفض الوصاية
قال الشعب السوداني كلمته بوضوح، دعمًا للقوات المسلحة في مواجهة التمرد، ورفضًا لأي تدخلات خارجية تسعى لإطالة أمد الحرب. هذا الالتفاف الشعبي يمثّل ركيزة أساسية لاستعادة الأمن، ويفشل الرهانات على تفكيك الدولة من الداخل.
وأخيرًا وليس آخرًا السعودية ثابتة… والسلام قادم
النصر حليف شعبٍ صابرٍ متماسك، والسلام قادم بإذن الله. وستظل المملكة العربية السعودية، بما تمتلكه من تاريخٍ ومصداقية وتجربة راسخة في صناعة السلام، صمام أمانٍ في مسار إنهاء الحرب في السودان، عصيّة على محاولات التشويش، وماضية في دورها حتى يضع السودان سلاحه، ويستعيد أمنه واستقراره و وحدته الوطنية.
البريد الإلكتروني: bshair057@gmail.com
