Popular Now

وجه الحقيقة | حكومة إدريس… بين الدولة و الفوضى .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

التنسيق الحكومي المتكامل ضرورة حتمية لبناء دولة مؤسسية فاعلة .. بقلم مستشار/ احمد حسن الفادني ـ باحث بمركز الخبراء العرب

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. عودة الدولة…أم عودة الأشخاص ؟! .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

الخرطوم … عاصمة يجب أن تُصمَّم لتكون غير جاذبة للسكان ! .. بقلم/ د أحمد الطيب السماني .. مستشار إداري وخبير تنموي

قد يبدو العنوان صادماً للوهلة الأولى، لكنه في جوهره يعكس طرحاً استشرافياً ضرورياً عند التفكير في مستقبل الخرطوم بعد انتهاء الحرب. فالمدن الكبرى، وخاصة العواصم، ليست مجرد تجمعات سكانية؛ بل هي مراكز قرار وإدارة واقتصاد عالي الكفاءة، تُبنى وفق رؤية تمنع تكدّس السكان وتوجّه الطاقات نحو مجالات الإنتاج الحقيقي.

هذه الفكرة ليست جديدة على التجارب العالمية؛ فقد زرت عواصم عديدة اتخذت إجراءات متعمدة — مثل ارتفاع تكلفة المعيشة، والضرائب الباهظة، والصرامة في الأنظمة والمخالفات — لتضمن بقاء الفاعلين الاقتصاديين والإداريين فقط، وتوجيه بقية السكان نحو الأقاليم التي تُنتج ثروات الأمم: الزراعة، التعدين، والصناعات التحويلية، وتنمية الثروة الحيوانية.

1. لماذا يجب ألا تكون الخرطوم عاصمة جاذبة للسكان؟

التكدس السكاني كارثة تنموية
قبل الحرب، تجاوزت الخرطوم قدرتها الاستيعابية بكثير. أصبحت المدينة تعاني من:

  • ازدحام خانق
  • خدمات منهكة
  • ترييف حضري (Urban Ruralization)
  • اختفاء الطابع الإداري للعاصمة
  • مركزية خانقة أدت لشلل الولايات الأخرى

العاصمة ليست مكاناً للهرب من الفقر
العواصم الحديثة تؤدي أدواراً محددة:

  • إدارة الدولة
  • جذب الاستثمار
  • خلق بيئة اقتصاد معرفي
  • استضافة المؤسسات السيادية والدبلوماسية
    وليست فضاءً لكل من يبحث عن فرصة عمل موسمية أو تجارة هامشية.

تطوير البلاد يبدأ من الأقاليم
عندما تكون العاصمة غير جاذبة لمن لا يملك مشروعاً حقيقياً، فإن الناس يتحركون نحو مواقع الثروة:

  • المشاريع الزراعية الكبرى
  • مناطق التعدين المنظم
  • الثروة الحيوانية وسلاسل القيمة
  • المناطق الصناعية الناشئة

وبذلك تتوزع التنمية، وتتناقص الفجوة الجغرافية التي صنعتها مركزية الخرطوم لعقود.

2. ما الذي يجعل العاصمة الحديثة غير جاذبة للسكان؟

ليست الفكرة أن تكون العاصمة “منفّرة” بطريقة سلبية، بل أن تكون محددة الدور وذات تكلفة أعلى للعيش غير المنتج، كما في:

  • الدوحة
  • الرياض
  • أبوظبي
  • سنغافورة
  • باريس
  • طوكيو

وكل هذه العواصم اعتمدت سياسات مثل:

  • ضرائب ورسوم عالية
  • مخالفات مرورية صارمة
  • ارتفاع تكلفة العقار
  • تركيز الخدمات عالية الجودة للمجتمع المنتج
  • قيود على العمالة غير الماهرة
  • انتقال المصانع والمخازن إلى خارج العاصمة

هذه الأدوات ليست عقابية، بل سياسات إدارة حضرية.

3. رؤية استشرافية لإعمار الخرطوم بعد الحرب
أولاً: تحويل الخرطوم إلى عاصمة إدارية – دبلوماسية – اقتصادية متقدمة

بمعنى:

  • مؤسسات الحكم
  • الوزارات
  • المراكز المالية
  • الدبلوماسية الدولية
  • الشركات الكبرى
  • منظومة النقل الحديثة
  • بنية رقمية فائقة

وليس سوقاً عشوائياً مفتوحاً أو ملاذاً لمن يبحث عن مأوى أو عمل يومي.

ثانياً: اعتماد سياسات عمرانية تقلل الجاذبية السكانية

منها:

  • مواقف سيارات مدفوعة بالكامل كما في العواصم المتقدمة.
  • ضرائب ورسوم خاصة بالمناطق التجارية والخدمية.
  • عقار عالي التكلفة يعكس مستوى المدينة الإداري.
  • منع عشوائية السكن وتطبيق صارم لقوانين البناء.
  • نقل الأسواق المركزية والسلع الأساسية خارج العاصمة.

ثالثاً: استراتيجية وطنية لدعم الانتقال نحو مناطق الإنتاج

الهدف ليس إبعاد الناس عن الخرطوم، بل جذبهم إلى حيث توجد الفرص الحقيقية:

  • إنشاء مدن زراعية نموذجية
  • مدن تعدين منظمة تنافس إقليماً
  • حاضنات للثروة الحيوانية وسلاسل القيمة
  • مناطق صناعية ضخمة في الولايات
  • طرق سريعة تربط الإنتاج بالصادر

بهذا ستتوزع الحركة الاقتصادية وينخفض الضغط على الخرطوم تلقائياً.

4. لماذا هذا التوجه مهم الآن؟
1. لأن إعادة بناء الخرطوم من دون إعادة بناء الفلسفة التي قامت عليها هو تكرار للفشل.

لقد انهارت الخرطوم لأنها كانت مركزاً لكل شيء، وبالتالي انهارت معها الدولة.

2. لأن السودان بعد الحرب يحتاج إلى إعادة توزيع الثروة والفرص جغرافياً.

لا نهضة في بلد يحتشد نصف سكانه في مدينة واحدة بلا إنتاج حقيقي.

3. لأن المستقبل سيكون للمدن المنتجة، لا المدن المتخمة بالسكان.
خاتمة: نحو عاصمة تؤسس لنهضة السودان الحديث

ليس الهدف أن تكون الخرطوم مدينة طاردة، بل أن تكون مدينة راقية، منظمة، مكلفة لمن لا ينتج، وميسّرة لمن يسهم في الاقتصاد الوطني.
وهذا هو جوهر التخطيط الحضري المعاصر الذي يوازِن بين الدور الإداري للعاصمة والتنمية المتوازنة للأقاليم.

إن إعادة إعمار الخرطوم ليست مشروع بناء مبانٍ، بل إعادة هندسة لدور المدينة في الدولة.
وإذا أحسنا التخطيط منذ الآن، فستكون الخرطوم بعد الحرب عاصمة حديثة تُدار مثل العواصم المتقدمة، وتكون منصة لانطلاق التنمية في كل السودان.

المقالة السابقة

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. الاستلاب الداخلي… من سقوط الوعي إلى اغتيال العقل .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

المقالة التالية

التخطيط الاستراتيجي الاقتصادي في السودان .. ( حلم التنمية بين إرادة التطبيق وعقبات الواقع ) .. بقلم مستشار : أحمد حسن الفادني – باحث بمركز الخبراء العرب

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *