تتعدد الثروات المعدنية في السودان المستكشفة و التي لم تستكشف حتى الآن و تجعل من السودان مركزًا اقتصاديًا كبير في حال تم الاستغلال الأمثل وهنا في هذا المقال نختص بالذكر الذهب.
فالذهب في السودان يعد شريان اقتصادي وسياسي ليس مجرد معدن فقط، رغم ما يحمله من إمكانات هائلة لتمويل الاستيراد ودعم العملة المحلية وتوفير دخل للدولة والمجتمعات المحلية فإن سوء الإدارة وانتشار التهريب و سيطرة الميلشيا المتمردة على أجزاء من مناطق التعدين يجعل من الذهب موردًا معقدًا يهرب بعيدًا عن فائدة المواطن والاقتصاد الوطني، ففي هذا المقال نحاول أن نحلل الواقع ونقيم الإجراءات الأخيرة لحكومة د. كامل إدريس بصورة نقدية بناءة ونقترح حلولًا قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد مع رؤية واضحة للاستفادة من الذهب والمعادن النفيسة الأخرى في السودان علها تجد مكانا في طاولة مجلس الوزراء.
ملخص حقيقة الأرقام من الإنتاج والقيم:
1. بلغ الإنتاج الرسمي للسودان من الذهب في عام 2024 ما يقارب 64.4 طنًّا وحقق نحو 1.6 مليار دولار من العائدات وفق بيانات رسمية متداولة.
2. الجزء الأكبر من الإنتاج يأتي من التعدين التقليدي والصغير نحو 53.7 طنا أي ما يقارب 83% من الإنتاج المعلن في العام 2024 وهذا ما يدل على هيمنة المشغلين الصغار على السوق.
3. في ظرف الحرب حيث تقدر تقارير أن كميات ضخمة تستخرج من مناجم خاضعة لسيطرة الميلشيا المتمردة تستغله كمصدر تمويل حيث قدمت التقارير رقما يقارب 860 مليون دولار قيمة ذهب استخرج من تلك المناطق خلال العام 2024.
4. إحصاءات حكومية منفصلة ذكرت أن الصادرات قد بلغت حوالى 1.5 مليار دولار خلال عشرة أشهر من 2024 ما يعكس أهمية القطاع كأحد مصادر العملة الصعبة.
هذه الأرقام توضح تناقضًا في الإنتاج الكبير والقيمة السوقية المرتفعة،و لكن نسبة كبيرة من القيمة لا تصل إلى الخزينة الوطنية بسبب التهريب، ضعف الحوكمة وتجزئة التحكم في المناجم.
أبرز المعوقات أمام نمو قطاع الذهب في السودان
1. التهريب وقنوات التهريب الإقليمية والدولية حيث الذهب يغادر البلاد عبر شبكات إقليمية إلى دول مجاورة ثم إلى أسواق عالمية فهذا التقلب في قنوات التصدير يؤدي إلى فقدان عائدات كبيرة ويعزز النفوذ الخارجي داخل القطاع.
2. هيمنة التعدين التقليدي وضعف الاستفادة حيث نجد أن الطرق التقليدية تستخرج نسبة صغيرة من القيمة الكامنة في الخام وتترك كميات كبيرة ضائعة في المخلفات بالإضافة إلى المشكلات الصحية والبيئية (الزئبق والتلوث).
3. الطبيعة الأمنية والسياسية و الحرب بوجود قوى مسلحة متمردة تسيطر على مناطق إنتاجية يؤدي إلى تحويل الذهب لآلية تمويل موازية وتفكيك قدرة الدولة على التنظيم والجباية.
4. ضعف المؤسسات والشفافية وذلك بوجود تشابك الجهات الرقابية و تغير السياسات وغياب بيانات موثوقة ومستقلة يزيد من فرص الفساد ويضعف قدرة الدولة على إدارة المورد بثبات.
5. سلاسل القيمة غير القائمة محليا صادرات الخام دون تكرير أو صناعة محلية تعني فقدان فرص للتوظيف وصناعة قيمة مضافة (مصاهر، سباكة، مجوهرات).
6. الاعتماد على الأسواق الخارجية والوسطاء باعتماد تجار إقليميين و وسطاء دوليين (بعض تقارير تشير إلى دور دولة الإمارات وممرات عبر دول مجاورة) يسهل عمليات تهريب الذهب والتهرب الضريبي.
الإجراءات الأخيرة لحكومة د. كامل إدريس
في الفترة السابقة أعلنت الحكومة عن حزمة إجراءات تهدف إلى ضبط السوق وتأمين العائدات من أبرزها: إنشاء قناة موحدة لتصدير الذهب مركزة على شراء وتصدير الذهب عبر جهة حكومية واحدة، وإطلاق منصات رقمية لمتابعة حركة المعدن وكذلك إجراءات لتقييد تجارة الذهب بهدف دعم العملة ووقف التهريب.
1. تقييم هذا الإجراء من وجهة نظر اقتصادية :
– الإيجابيات: مركزية التصدير تقلل من تعدد القنوات وتسهل تعقب وتتبع الشحنات نظرا لإمكانية تقليل التهريب إذا نفذت بصرامة وصرامة هذه نضع تحتها ألف خط، نظام رقمي لمتابعة الشحنات والحركة يمكن أن يحسن الشفافية ويعطي الدولة بيانات آنية لاتخاذ قرارات سعرية ونقدية.
– قيود ومخاطر: التنفيذ العملي هو التحدي الأساسي لتك الإجراءات المركزية حيث تحتاج قدرة مؤسسية قوية أمنية ومراقبة في الميدان وهو ما تفتقر إليه الدولة الان في مناطق الحرب الآن. أيضا التركيز على السيطرة دون معالجة الأسباب الجذرية (الفقر، غياب البدائل الاقتصادية، سيطرة الميلشييات) قد يدفع النشاط إلى أن يصبح أكثر سرية وأقسى في طرق التهريب.
– مخاطر احتكار و ذلك سياسات غير مرنة إذا صاحب المركزية افتقار للشفافية أو احتكار لمجموعات فاسدة فإن ذلك قد يزيد خسارة الدولة والمجتمعات المحلية.
و أخيرًا هنالك خطوة مركزية من دون اتفاق إقليمي (مع دول الجوار والأسواق الوسيطة) ستحمل أثرا محدودا على التهريب.
الحلول المقترحة للمرحلة الحالية والمراحل المستقبلية:
سنقسم الحلول إلى قصيرة ومتوسطة و وطويلة الأمد مع مراعاة الظروف الأمنية وصعوبة التنفيذ:
1. حلول قصيرة الأمد (0–12 شهرًا):
– تعزيز نافذة تصدير موحدة شفافة وقابلة للمراجعة لكن تشترط رقابة مستقلة وتدقيق طرف ثالث مع نشر تقارير شهرية بالحصيلة وبيانات الموردين.
– مكافحة التهريب عبر التعاون الإقليمي عبر اتفاقات فورية مع دول الجوار لمتابعة الشحنات وتبادل المعلومات الجمركية.
– حملات توعية ودعم بسيط للعمالة التقليدية من خلال توزيع معدات إسعافية وقواعد سلامة لحماية صحة العاملين وتقليل الانتهاكات.
2. حلول متوسطة الأمد (1–3 سنوات)
– تقنين التعدين الأهلي عبر إصدار تراخيص مبسطة و إنشاء نقاط تجميع رسمية وتقديم حوافز ضريبية مؤقتة للمنتجين الذين يلتزمون بالقنوات الرسمية.
– بناء قدرة مؤسسية للرقابة عبر تدريب وحدات رقابية و تبني نظام تتبع رقمي موحد من موقع التعدين إلى التصدير،و استخدام تقنيات البصمة الكيماوية للمعدن عند المصدر.
– مشاريع تشغيل بديلة وبرامج تنويع اقتصادي محلي لخفض اعتماد المجتمعات على التعدين العشوائي.
3. حلول طويلة الأمد (3–10 سنوات)
– إقامة صناعات ما بعد الاستخلاص محليا وذلك بإنشاء مصاهر لتكرير الخام و وحدات تصنيع المشغولات وصناعات مساندة تخلق قيمة مضافة وتوظيفا واسعا.
– صندوق سيادي يدار بآليات شفافة لتخصيص جزء من عائدات الذهب للاستثمار في البنية التحتية و التعليم والصحة، مع قواعد توزيع واضحة للمجتمعات المحلية.
– إصلاحات تشريعية وحوكمة الموارد الطبيعية تضمن مشاركة المجتمعات المحلية و آليات تعويض بيئية ومعايير امتثال دولية مثل معايير سلسلة الإمداد الخالية من النزاع.
كيف نكشف ونواجه المطامع الخارجية؟
1. الشفافية والبيانات العامة: نشر بيانات الإنتاج و التصدير وقوائم المشترين الرسمية تقلل من مجال الشك ويجعل أي تدفق غير متطابق ظاهرا (الاختلافات بين الإنتاج المعلن والصادرات المسجلة تكشف شبكات التهريب).
2. التعاون الدولي المستهدف: توقيع اتفاقيات مع أسواق التكرير النهائية (بشروط تتطلب مصدرا موثوقا وشهادات المنشأ) وتفعيل آليات مراقبة بمساعدة خبراء دوليين.
3. ملاحقة الشركات الوسيطة غير الشفافة: فرض قواعد جمارك وصيغ تحقق من المصدر وتجريم التعامل مع وسطاء ثبت تورطهم في استيراد ذهب مهرب مسبقا.
رؤية واضحة للاستفادة من الذهب والمعادن النفيسة في السودان (مخرجات قابلة للتطبيق)
1. مناجم مستدامة ومؤسسية : نظام تراخيص نظيف وشفاف و متدرج يسمح بوجود شركات كبرى تعمل جنبًا إلى جنب مع مشغلين أصغر بنماذج شراكة حقيقية.
2. القيمة المضافة محليا : خطوة إلزامية لإنشاء مصاهر ومراكز تكرير داخل السودان مع حوافز للاستثمار المحلي والأجنبي المشروط بنقل تقنية وتوظيف محلي.
3. الحماية البيئية والاجتماعية: قوانين لتقليل استخدام الزئبق و برامج لإعادة تأهيل الأراضي وصناديق تنمية مجتمعية لشرائح التعدين التقليدية.
4. حوكمة أرباح واضحة: تخصيص نسبة من العوائد للاستثمار في التنمية البشرية والبنية التحتية في مناطق التعدين مع آليات رقابة محلية.
5. تنويع القاعدة الاقتصادية: استخدام إيرادات الذهب لتمويل مشاريع منتجة (زراعة، تصنيع، طاقة) لتقليل اعتماد الميزانية على مادة واحدة.
ونختم بدعوة عملية ومباشرة:
ثروات السودان من الذهب والمعادن النفيسة تمثل فرصة نادرة و لكن استغلالها يمر عبر بوابة حكم رشيد و مؤسسات قادرة وشفافية حازمة.
الإجراءات المركزية الأخيرة لحكومة د. كامل إدريس قد تكون خطوة ضرورية و لكنها ليست كافية بفرضية التنفيذ فقط بل يجب أن ترافقها خطوات تقنين صغار المنتجين مع تعاون إقليمي لمكافحة التهريب وبناء سلاسل قيمة محلية، فإذا نجح السودان في الجمع بين السيطرة على الحدود الاقتصادية وبناء مؤسسات شفافة تحول الذهب من مورد يجب حمايته إلى رافد دائم للتنمية فحينها تتحول مطامع الخارج من تهديد إلى شريك و لكن بشروط عادلة وفي صالح الوطن والمواطن السوداني.


