برزت التنمية الثقافية في دولة قطر كركيزة أساسية ضمن رؤيتها الوطنية 2030 وتجاوزت في بناءها كون أنها مجرد إضافة معرفية وترفيهية فحسب لتصبح محرّكاََ حيوياََ للتنمية الشاملة والمستدامة.
وجدت من واقع المبادئ الرئيسية للتنمية الثقافية أن ملامحها قد تجلت في مجموعة من التمظهرات، يأتي في مقدمتها المبدأ الراسخ الذي جمع بين الحفاظ على الأصالة القطرية والعربية الإسلامية والانفتاح الواعي على الثقافات العالمية في سعيها لاستكمال بناء مجتمع مزدهر معرفياََ وفنياََ.
ووجدت أنه في صميم هذه الرؤية – جاء الحفاظ على الهوية والتراث الثقافي كمبدأ محوري آخر- وفي ذلك تعمل الدولة بجد للحفاظ على موروثها الغني من التقاليد و الفنون واللغة العربية والتاريخ عبر مؤسسات عريقة تأتي في مقدمتها وزارة الثقافة بوصفها الإطار الناظم للشؤون الثقافية في الدولة و متاحف قطر ومؤسسة الحي الثقافي “كتارا” ومكتبة قطر الوطنية وغيرها من المؤسسات التي تحمي وتحمل هذا الإرث للأجيال القادمة.
هذا الالتزام لم يعني الانغلاق ، بل أخذ بمبدأ تعزيز التنوع الثقافي والانفتاح العالمي وفي ذلك نشهد استضافة قطر بانتظام لفعاليات عالمية كبرى ومعارض فنية ومؤتمرات دولية ، لتصبح بذلك جسراََ للحوار الحضاري وملتقى للثقافات المتعددة، مما يعكس سعيها لتكون مركزاََ ثقافياََ عالمياً.
استوقفتني هنا مبادرة الأعوام الثقافية كأحد ابرز ملامح التنمية الثقافية وهي تمضي لتحتفل هذا العام بشراكتها الرابعة عشر في كل من الأرجنتين و تشيلي لتصبح ركيزة أساسية للدبلوماسية الثقافية، معززة بذلك للتبادل الثقافي والتعريف بالثقافة القطرية و الاحتفاء بها خارج الحدود ويذكر كذلك نجاح المبادرة في تعريف العالم بمكنونات قطر قبل انطلاقة كأس العالم في دوحة الخير العام 2022.
ولأن الثقافة تنمو بالإبداع
فإن دعم الإبداع والابتكار في الفنون والآداب يُعدّ محرك أساسي _ توفر الدولة بيئة خصبة للمواهب المحلية والعربية الشابة في شتى المجالات الفنية والأدبية ، مدعومة ببنية تحتية ثقافية عصرية من مسارح وصالات ودور عرض وورش عمل تحفز على التعبير الفني والإبداع.
يتكامل هذا الدعم مع التعليم الثقافي وبناء القدرات، ويتضح ذلك في المناهج التعليمية، والتي يظهر في تكوينها الاهتمام والوعي العميق بالتراث والثقافة إلى جانب تقديم برامج تدريبية متخصصة لرفع كفاءة العاملين في القطاع الثقافي وصقل مهاراتهم.
وجدت أن اهتمام دولة قطر بالمشاركة المجتمعية الواسعة والوصول الثقافي لم يقتصر على مشاركة الأنشطة الثقافية على النخبة ، بل مضى التوجه لإشراك جميع أفراد المجتمع ، مواطنين ومقيمين في الفعاليات المتنوعة، بل وتسهيل وصولهم إلى المؤسسات الثقافية جاعلةً الثقافة جزء لا يتجزأ من حياتهم اليومية.
بذلك تتجاوز التنمية الثقافية كون أنها مجرد رؤية لتصبح نموذج واقعي للتنمية الشاملة -كما أشرت في مقال سابق- تسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي وتدعم الاقتصاد المعرفي وترسخ مكانة قطر كمنارة ثقافية إقليمية وعالمية.


