Popular Now

منشورات د. أحمد المفتي .. حديث في الممنوع: حمدوك رئيسًا للسودان مدى الحياة بعد تجيير الثورة لصالح حكومته وتأمينها عسكريًا باستيعاب الدعم السريع في القوات النظامية !!!

وجه الحقيقة | عود لينا يا ليل الفرح… .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

سلسلة مقالات الحرب على السودان .. التقرير الاستراتيجي(4) .. مؤشرات النهاية: العلامات العسكرية والسياسية التي تسبق حسم الحروب الداخلية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

سرّ النهضة الرقمية: تأملات في هندسة مجتمع المعرفة وتمكين الإنسان .. بقلم/ د. عمر محمد المبارك سعد

في ظل التحوّل الرقمي العميق الذي يعيد تشكيل ملامح العالم، أصبحت إدارة مجتمع المعرفة الرقمي أشبه بعملية حراسة دقيقة لوعي الأمة ورسم مساراتها المستقبلية. فالمعرفة اليوم لم تعد مُجرد مخزون من المعلومات، بل تحوّلت إلى قوة ناعمة تُحرّك القرارات، وتبني القدرات وتُعيد صياغة العلاقات بين الأفراد والمؤسسات والدول. إن إدارة هذا المجتمع ليست مهمة تقنية بحتة، وإنما هي فعل حضاري يتطلب رؤية ثاقبة وإرادة واعية تستشعر ما وراء الأرقام والنصوص والمحتوى لتخلق من هذا كله منظومة متماسكة قادرة على تمكين الإنسان قبل تمكين الآلة.

وتأتي أهمية هذه الإدارة من كونها المدخل الحقيقي لتهيئة الفرد للتعامل مع عالم سريع التغير لا يُمهل المتخلفين وراءه. فهي ترتقي بوعي الإنسان وتزوّده بأدوات العصر وتعيد تشكيل سلوكه الرقمي ليكون قادرًا على القراءة والتحليل والمشاركة الفاعلة. كما أنها تمنح صانع القرار القدرة على المضي في خياراته بثبات حين يستند إلى معرفة رصينة وبيانات دقيقة وتحليل يتجاوز الانطباعات إلى الفهم العميق. وفي ظل التفاعل الواسع الذي تتيحه الوسائط الرقمية، تهب هذه الإدارة المجتمع قدرة على التعلم الجماعي، وتبادل الخبرات، وبناء بيئة يلتقي فيها الأفراد حول المعرفة أكثر ممّا يتفرقون حول المصالح.

ولا يكتمل دور مجتمع المعرفة الرقمي ما لم يمسّ جميع الفئات دون استثناء، فيردم الفجوة بين من يمتلكون أدوات التقنية ومن يقفون عند عتبتها. فالعدالة الرقمية ليست شعارًا، بل ضرورة تمنع تحول المعرفة إلى طبقة مغلقة أو امتياز محصور. ومن هنا ينبثق التمكين البشري باعتباره الركيزة الأولى التي تُبنى عليها بقية المكونات؛ فهو الذي يفتح أمام الإنسان أبواب المهارات الرقمية والمعرفية، ويدفعه نحو التعليم المستمر والتدريب الإلكتروني بوصفهما مسارين لا ينتهيان.

وتُشكّل حرية الوصول إلى المعرفة قاعدة صلبة تقوم عليها كل الممارسات الرشيدة، فالمعلومة المحجوبة لا تبني مجتمعًا، والمعرفة المقيدة تظل حبيسة مكانها لا تتطور. لذلك يغدو فتح منافذ النشر الحر وتشجيع استخدام المصادر المفتوحة، فعلًا يعيد الحيوية إلى النسيج المعرفي ويتيح للباحثين والمتعلمين مساحات أوسع للابتكار. وفي مقابل الانفتاح، تأتي الحاجة إلى الثقة والأمن بوصفهما الحارس الخفي للبيئة الرقمية؛ إذ لا يمكن بناء مجتمع معرفي في ظل خوف من انتهاك الخصوصية أو تهديد أمن البيانات. ويصبح وضع سياسات واضحة للأمن السيبراني وتعزيز ثقافة حماية المعلومات ضرورة لا غنى عنها لضمان استدامة الفضاء الرقمي.

أما الابتكار، فهو الروح التي تُنعش جسد المعرفة الرقمية. فالمجتمعات لا تتقدم بمراكمة المعلومات فحسب، بل بقدرتها على تحويلها إلى حلول ومبادرات ومشاريع تُعبّر عن حاجاتها وتطلعاتها. لذلك فإن دعم المبادرات الرقمية المحلية، واحتضان أفكار الشباب وتعزيز بيئة تُقدّر الخيال والإبداع، كلها مكونات تجعل من المعرفة قوة دفع مستمرة لا تتوقف عند حد.

وهكذا يتضح أن إدارة مجتمع المعرفة الرقمي ليست إجراءً إداريًا، ولا مشروعًا تقنيًا محدود الأثر، بل هي مسار طويل من البناء الواعي الذي يجعل من المعرفة أداة للنهضة، ودرعًا لحماية المجتمع، وجسرًا يعبر به نحو مستقبل يقوده العقل ويُصنع فيه التقدم بقدر ما يُحسن الإنسان التعامل مع أدوات العصر وتوظيفها.

المقالة السابقة

السودان بين خريطة برنارد لويس والعقيدة الإسرائيلية للأمن الإقليمي .. قراءة في استراتيجية تفكيك المراكز العربية الكبرى وإضعاف السودان الموحّد .. بقلم/ م. مصعب الهادي عبد الله_ لندن

المقالة التالية

منشورات د. أحمد المفتي رقم 5792 .. تأسيس “إطار وطني جامع ” منذ الآن ليسود ساحة العمل العام بعد تحقق السلام

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *