قرأتُ كلماتٍ على قناة الأمم المتحدة على تطبيق (وتس آب) بمناسبة اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة: ”اليوم، ومع بداية حملة الستة عشر يومًا لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي لعام 2025.
وعلينا أن نعترف بحقيقة بسيطة وهي أن التغيير جهدٌ جماعي – ولا يمكن أن تكتمل الصورة بغياب أي قطعة!
تُذكّرنا رسالة هذا العام بأن جميعنا جزء من الصورة الكبرى لبناء عالمٍ آمن، وعادل، ومتساوٍ للجميع.
والمأمول أن تشهد الساحة خلال الأيام الـ١٦ المقبلة موجة من التعاضد والمشاركة لرفع الوعي، ودعم الناجيات، والمطالبة بالتغيير لنكمل الصورة معًا! “
و يتزامن اليوم مع ما حددته الأمم المتحدة في الخامس والعشرين من نوفمبر من كل سنة، و في هذا العام جاءت حملة ال 16 يومًا و التي تبدأ في الخامس والعشرين من نوفمبر و حتى العاشر من ديسمبر لتسلط الضوء على العنف الرقمي ضد النساء و الفتيات.
توقفت عند هدف الحملة بذهول، إذ يشهد العالم حروب و موجات هجرة و نزوح من أقصاه إلى أقصاه، من غزة إلى السودان إلى أوكرانيا، و تساءلت عن مصير الآلاف من النساء و الفتيات ضحايا هذه الحروب و ما تبعها من آلام و حكايات لناجياتٍ كسيراتٍ متعبات.
الحالة السودانية
شهدت الحرب في السودان عنف و اعتداءات كان النصيب الأكبر منها للنساء، و لم تكتفِ ميلشيا الدعم السريع الإرهابية بقتل و سحل النساء و استعبادهن جنسيًا، بل ذهبت إلى بيعهن في دول جوار السودان، كما استخدم الاغتصاب كسلاح ضد الحرائر و أهلنّ في حوادث وُثقت من الخرطوم والجزيرة و غيرها من أراضٍ دنستها قدم الميلشيا، و رأينا أسماءً لنساء حُكم عليهِنّ بالإعدام، و كُنّ ضحايا الشكوك لميلشيا لا تميز بين امرأة و رجل، ذهبت حياتُهُنّ تحت مقاصل السفاحين.
و ما يقشعر له بدن من له مثقال ذرة من إنسانية -بل آدمية- هو أن مشاهد الاعتداءات وثّقها الجناةُ بأنفسهم.
نساء الفاشر
أما في مدينة الفاشر السودانية على سبيل المثال فإن القصة لم تبتدئ ب(هنادي) و لم تنتهِ ب(قسمة عمر)، قسمة عمر ضحية العنف الوحشي، علّقها قاتلها على شجرة تدلت منها حتى آخر رمق دون أن يرفّ له طرف، نساء مع صغارِهن لم يكن ذنبهم غير إثنيتهم و لون بشرتهم … تحاول الأم حمايتهم يمنة و يسرة بخوف خلع فؤادها دون جدوى… و آخرين قتلت أمهاتُهم و هم على صدورهنّ.. لا يعلمون بأي ذنب قتلوا !!
واغتُصبت ثلاث صحفيات على الأقل في الفاشر بحسب تقارير اللجنة الدولية لحماية الصحفيين عقب سيطرة ميلشيا الدعم السريع على المدينة.
حديث فولكر
فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان قال أن ما حدث في الفاشر “وصمة عار” و أن ما ارتكبته قوات الدعم السريع “جرائم خطرة”، و الناجيات من مجازر الفاشر روَين ما يشيب له الولدان من هول ما جرى هناك … وصلن إلى مناطق طويلة، و قرنة، و الدبة و مليط، منهنّ من فقدت طفلاً أو حتى أطفالًا، ومنهن من فقدت المعيل الوحيد، تحدّثن عن فتياتٍ اغتُصِبن و أخريات اختُطفن أثناء رحلة الهروب من الفاشر، و أخريات وصلن بدون أم أو أب أو حتى قريب، رأين الجثث على امتداد الطريق من الفاشر و حتى طويلة.
معلومات رسمية
و قالت وزيرة الموارد البشرية و العمل و الرعاية الاجتماعية (سليمى إسحق) أنه توجد نساء محتجزات في مدينة الفاشر تم إرجاعهن قسرًا إلى المدينة بعد محاولة الهروب من جحيمها بعد سيطرة الميلشيا عليها، و تقول بأنّهم وثقوا 25 حالة عنف جنسي بالمدينة عقب دخول الميلشيا للمدينة.
و استمعنا لإحدى شريكات العنف و هي تؤجج و تلهب جنود الوحشية و الارتزاق، و تدعوهم لسلب أعراض حرائر شمال السودان وسط تهليل الجنود و صرخاتهم المرحبة بالدعوة.
تراجيديا النزوح
في كل وجهة نزوح يزيد العبء، حيث لا معيل، و لا زوج و لا معين على الهمّ.
رحلة جديدة من الرّهَق، و دموع غلبت على وجوه الناجيات، و مستقبل كالح بدون أرض أو ملجأ.
نساء السودان عِشن لشهور طويلة تحت قصف الدانات و هدير المدافع، انقطعت عنهن أبسط مقومات الحياة، عانَين في النزوح و اللجوء و تحمّلن الأمرّين، لم يسلمن من الجوع و العطش و المرض، قدّمن الأبناء و الأزواج و الآباء في حرب الكرامة، اختبرت الحرب صبرهُنّ و جَلَدهُنّ، و تحمّلن ما لم تتحملُه شواهق الجبال.
في اليوم الدولي لإنهاء العنف ضد المرأة، تستحق نساء السودان تقدير تضحياتهنّ، تستحق أمهات الشهداء التكريم، و تستحق الفتيات حياةً كريمة و العيش بأمان.
و تستحق كل الضحايا العدالة لهنّ… فالجرم عظيم، و المجرم لا زال يفلت من العقاب… بل يجاهر بذنبه.



