أفرزت الحرب التي اندلعت في السودان منذ أبريل 2023 واحدة من أكبر موجات النزوح واللجوء في تاريخ البلاد الحديث، حيث اضطرت مئات الآلاف من الأسر إلى مغادرة مناطقها بحثا عن الأمن والاستقرار داخل السودان وخارجه. ولم تقتصر تداعيات الحرب على الجوانب الأمنية والاقتصادية والإنسانية فحسب، بل امتدت لتشمل القطاع التعليمي الذي تعرض لهزات عميقة أثرت على استمرارية العملية التعليمية ومستقبل أجيال كاملة من الطلاب.
وفي إطار التخفيف من آثار الأزمة، بادرت بعض الجامعات السودانية إلى إنشاء مراكز خارجية في عدد من الدول المستضيفة للنازحين السودانييين بهدف ضمانذ استمرارية الدراسة وتقليلذ الفاقد الأكاديمي والمحافظة على ارتباط الطلاب بمؤسساتهم التعليمية الوطنية. وقد مثلت هذه المراكز أحد أهم الحلولذ العملية التي أسهمت في حماية المسار التعليمي لآلاف الطلاب خلال فترة الحرب.
إلا أن التوجه نحو إغلاق هذه المراكز يثير تساؤلات جوهرية حول الآثار الأكاديمية والنفسية والاجتماعية المترتبة على الطلاب ومدى انعكاس ذلك على مستقبل التعليم العالي السوداني في مرحلة تتطلب قدرا عاليا من المرونة والاستجابة للظروف الاستثنائية.
أولا: تأثير الإغلاق على التحصيل الأكاديمي
تشير الأدبيات التربوية إلى أن الاستقرار المؤسسي يعد من أهم العوامل المؤثرة في جودة التحصيل الأكاديمي. فكلما تعرض الطالب إلى انقطاعات متكررة أو اضطرابات في البيئة التعليمية تراجعت قدرته على التركيز والاستمرار وتحقيق الإنجاز العلمي المطلوب.
ومن المتوقع أن يؤدي إغلاق المراكز الخارجية إلى زيادة معدلات التعثر الأكاديمي نتيجة اضطرار بعض الطلاب إلى التوقف المؤقت عن الدراسة أو الانتقال إلى مؤسسات تعليمية أخرى تختلف في المناهج والنظم الأكاديمية. كما قد يفقد كثير من الطلاب الساعات الدراسية التي أنجزوها أو يتعرضون لتأخير التخرج لعدة فصول دراسية، الأمر الذي يضاعف حجم الفاقد التعليمي الذي تسببت فيه الحرب أصلا.
كذلك فإن العودة القسرية إلى بيئات غير مستقرة أو الانتقال المتكرر بين الدول والمؤسسات التعليمية يضعف من استمرارية التعلم ويؤثر سلباً على الأداء الأكاديمي والبحثي للطلاب، خاصة في التخصصات التي تتطلب تدريبا عمليا أو حضوراً منتظماً.
ثانيا: الأبعاد النفسية للإغلاق
لا يمكن فصل التعليم عن الصحة النفسية، خاصة في حالات النزاعات والحروب. فالطالب السوداني النازح لم يواجه فقط تحديات الدراسة، وإنما عاش تجارب النزوح وفقدان الاستقرار والقلق بشأن المستقبل.
وقد شكلت المراكز الخارجية بيئة داعمة ساعدت العديد من الطلاب على استعادة قدر من التوازن النفسي والاجتماعي، إذ وفرت لهم شعورا بالاستمرارية والانتماء والأمل في المستقبل. ولذلك فإن إغلاق هذه المراكز قد يؤدي إلى تجدد مشاعر الإحباط والقلق وفقدان الدافعية، خاصة لدى الطلاب الذين لا تتوفر أمامهم بدائل تعليمية مناسبة.
وتؤكد الدراسات النفسية أن انقطاع التعليم في أوقات الأزمات يعد من العوامل التي تزيد من معدلات التوتر والاكتئاب والشعور بالعزلة الاجتماعية بين الشباب، وهو ما يجعل استمرارية التعليم جزءًا من برامج الدعم النفسي والاجتماعي وليس مجرد خدمة أكاديمية.
ثالثا: الآثار الاجتماعية والتنموية
يتجاوز تأثير القرار حدود الطالب الفرد ليشمل الأسرة والمجتمع والدولة. فاستمرار التعليم يمثل أحد أهم أدوات حماية رأس المال البشري في أوقات الأزمات، بينما يؤدي الانقطاع المطول عن الدراسة إلى زيادة احتمالات البطالة والهجرة غير النظامية والتسرب من التعليم.
كما أن الجامعات السودانية ظلت تمثل أحد أهم الروابط الوطنية التي حافظت على تماسك الجاليات السودانية النازحة في الخارج وأسهمت في تعزيز الهوية الوطنية والانتماء المؤسسي لدى الطلاب. ومن ثم فإن تقليص هذه المساحات التعليمية قد ينعكس سلبا على العلاقة المستقبلية بين الطلاب ومؤسساتهم التعليمية ووطنهم الأم.
رابعا: الاعتبارات الإدارية ومتطلبات التوازن
لا شك أن الجامعات تواجه تحديات تنظيمية وقانونية ومالية معقدة في إدارة مراكزها الخارجية، إلا أن معالجة هذه التحديات ينبغي أن تتم من خلال البحث عن حلول وسط تراعي المصلحة العليا للطلاب، مثل تقنين أوضاع المراكز أو التوسع في التعليم المدمج أو منح فترات انتقالية كافية للطلاب الموجودين بالخارج حتى استكمال مراحلهم الدراسية.
ففي أوقات الأزمات الاستثنائية تصبح المرونة المؤسسية أحد أهم معايير نجاح السياسات التعليمية، وتغدو حماية حق الطلاب في التعليم أولوية تتقدم على الاعتبارات الإدارية القابلة للمعالجة.
ختاماً
تكشف قراءة الآثار المحتملة لإغلاق مراكز الجامعات السودانية بالخارج أن القضية تتجاوز كونها إجراء إداريا أو تنظيميا لتصبح مسألة ترتبط مباشرة بحماية رأس المال البشري السوداني والمحافظة على مستقبل جيل كامل تأثر بالحرب دون أن يكون طرفا فيها.
إن استمرار العملية التعليمية في ظروف النزوح يمثل استثمارا وطنيا بعيد المدى في إعادة بناء السودان بعد الحرب، بينما قد يؤدي التوسع في إغلاق هذه المراكز إلى تعميق الفاقد الأكاديمي والنفسي والاجتماعي الذي تعاني منه شريحة واسعة من الطلاب. ومن ثم فإن أي معالجة لهذا الملف ينبغي أن تنطلق من رؤية شاملة توازن بين مقتضيات التنظيم المؤسسي ومتطلبات حماية حق الطلاب في التعليم والاستقرار النفسي باعتبارهم أحد أهم أصول السودان الاستراتيجية في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.


