أحياناً لا يكشف الجدل حول المال العام حجم الأموال… بل يكشف كيف يفكر المجتمع في من يخدمونه بصمت.
> فليست كل الأسئلة التي تُطرح في حياة الدول أسئلة معارضة…بعضها أسئلة ضمير.
فالسلطة قد تخطئ…
والمجتمع قد يغضب…
لكن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نفقد القدرة على السؤال الهادئ الذي يبحث عن العدل لا عن الخصومة.
وهنا تبدأ #أصل_القضية
حين يُعلن عن تخصيص ١٦٠ مليار جنيه من أموال الزكاة لكسوة الأئمة والدعاة بمناسبة العيد، فإن السؤال الذي يبرز ليس سؤالاً موجهاً ضد أحد…
بل سؤال موجّه نحو فهم المقصد قبل الحكم على الفعل.
> لأن الزكاة في الإسلام ليست مجرد مورد مالي… بل نظام أخلاقي لإدارة الفقر في المجتمع.
وقد حدد القرآن مصارفها بوضوح في قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلۡفُقَرَاءِ وَٱلۡمَسَـٰكِينِ وَٱلۡعَـٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَـٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ﴾.
ثمانية أبواب…
وكل باب منها يحمل فلسفة اجتماعية عميقة تهدف في جوهرها إلى صيانة كرامة الإنسان وحماية المجتمع من التفكك.
لكن التاريخ الإسلامي يخبرنا أيضاً أن تطبيق النصوص كان دائماً مرتبطاً بفهم المقاصد.
فحين تولى الفاروق عمر بن الخطاب الخلافة، أوقف العمل ببند المؤلفة قلوبهم رغم وروده في النص القرآني.
ليس لأن النص تغير…
بل لأن الواقع تغير.
فالإسلام في عهده أصبح قوياً، ولم تعد الدولة تحتاج إلى شراء الولاءات السياسية بالمال العام.
وهنا تظهر القاعدة الذهبية في إدارة المال العام في الإسلام:
> النص ثابت… لكن ترتيب الأولويات يتغير وفق المصلحة العامة.
ومن هذا المنطلق يبرز السؤال المشروع:
> كيف نرتب أولويات الزكاة في واقع اجتماعي واقتصادي شديد التعقيد مثل الواقع السوداني اليوم؟
هنا تبقى حقيقة لا ينبغي أن تضيع وسط الجدل:
> أموال الزكاة أمانة كبرى قبل أن تكون بنداً مالياً، وكل قرار يتعلق بها يجب أن يقوم على وضوح فقهي وعدالة إدارية تطمئن إليها القلوب قبل الأرقام.
والإنصاف يقتضي أن نقول إن الأئمة والدعاة – في واقعهم المعيشي – ليسوا بالضرورة خارج دائرة الاستحقاق.
فراتب الإمام الذي لا يتجاوز “خمسين ألف جنيه” قد لا يكفي حاجة فرد واحد لمدة شهر ، فكيف بمن يحمل مسؤولية أسرة كاملة.
الحديث عن الأئمة والدعاة لا ينبغي أن يُختزل في أرقام الرواتب أو حسابات المخصصات.
> فالأئمة في مجتمعنا السوداني من أكثر الفئات تعففاً وصبراً وقلة شكوى.
●يحملون هموم الناس في صدورهم،
●ويواسون المفجوعين،
●ويذكرون المجتمع بالصبر والمرحمة،
●ويحثون الأغنياء على أداء حقوق الفقراء،
●بينما يختار كثير منهم الصمت حين يتعلق الأمر بحاجاتهم الخاصة.
ولهذا قد يظن بعض الناس أنهم في بحبوحة من العيش، لأنهم لا يمدّون أيديهم ولا يكثرون الشكوى.
وهنا تتجلى دقة التعبير القرآني حين وصف هذا الصنف من وصفا دقيقا في قوله تعالى:
﴿يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾.
> ومن هنا فإن التعفف في ميزان الشريعة ليس دليلاً على الغنى، بل قد يكون أحياناً ستراً نبيلاً لحاجةٍ لا يريد صاحبها أن يثقل بها على الناس.
ولهذا رأى الفقهاء..
> أن التعفف لا يمنع الاستحقاق إذا تحققت الحاجة، لأن الشريعة لا تنظر إلى الصورة الظاهرة فقط، بل إلى حقيقة الحال وكرامة الإنسان.
> فليس كل من صمت عن الحاجة غنياً…
> فبعض الصمت اسمه تعفف.
وفي مجتمع أنهكته الحرب وتعبت فيه النفوس، يصبح إمام المسجد في كثير من الأحياء
● جسر السكينة بين الناس،
● و مورد الصلح الاجتماعي قبل أن يكون خطيباً أو واعظاً.
ولهذا فإن العدالة لا تقتضي إقصاء الأئمة من دائرة الاستحقاق…
بل ربما تقتضي – في كثير من الحالات – إدراجهم ضمنها،
فهم من أكثر الفئات التي تعمل بصمت على تأليف قلوب المجتمع نفسه.
وذلك ليس ببعيد عن فلسفة الزكاة التي تذكّرنا بأن الأئمة أيضاً يعولون أسر وهي ترجو ان تعيش بكرامة …
> أسرًا يحسبهم الناس أغنياء من التعفف … وهي في الحقيقة تخفي عوزها بكرامتها.
ومن هنا فإن النقاش حول هذه القضية لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة مع المؤسسات…
ولا إلى تقليل من شأن الأئمة…
بل إلى بحث صادق عن العدل الذي يجمع بين رعاية الدعاة وإنصاف اسرهم المتعففة.
> فالمجتمع الذي يدعم من يذكّره بالخير… ولا ينسى من يحتاج إليه… هو مجتمع يفهم روح الزكاة قبل نصوصها.
وفي السودان، حيث مزّقت الحرب كثيراً من روابط الناس، سيكون للأئمة دور كبير في رتق النسيج الاجتماعي وترميم ما تهتك من الثقة بين أفراد المجتمع.
> هنا الا تقتضي الحاجة أن يدرجوا ضمن اي بند من بنود مصارف الزكاة لتحفظ لهم هيبتهم ومكانتهم؟
وغير بعيد هناك أيضاً أسئلة أعمق ينبغي أن تُطرح بهدوء:
●هل للأئمة هيكل إداري واضح داخل الخدمة المدنية كونهم يتبعون لوزارة الأوقاف؟
●هل لهم مسار وظيفي وترقيات؟
● هل يستحقون معاشاً عند بلوغ سن التقاعد؟
> أسئلة تبدو إدارية في ظاهرها…لكنها في الحقيقة جزء من سؤال أكبر يتعلق بكيفية تقدير المجتمع لدور من يحملون رسالته الأخلاقية.
لأن الدول لا تُقاس فقط بحجم مواردها…
بل بمدى عدالة توزيعها وحكمة إدارتها.
وفي النهاية، #أصل_القضية ليس المقصد مبلغ يصرف من اموال الزكاة أو مدى الاستحقاق …
بل في سؤال أعمق يتعلق بكيف نفكر في الأئمة انفسهم واحوالهم ؟ .
هل نراهم مجرد اشخاص ليس لهم حقوق داخل الموازنات او الزكوات؟
أم نراهم أمانة اجتماعية يجب أن تصل إلى حيث يكون مقامهم أكبر؟
والحقيقة التي لا تتغير هي أن:
الزكاة ليست مجرد توزيع مال…
بل توزيع رحمة داخل المجتمع.
وهنا بالضبط…
#أصل_القضية.


