Popular Now

تهريب المخدرات للسودان الجغرافيا السياسية لاقتصاد الحرب .. بقلم/ اسماعيل الناير عثمان .. باحث استراتيجي .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد موسم جديد من تسكت بس ؟!.. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

الراستا .. الراستفاريون والراستات .. بقلم/ الصادق عبدالله أبوعيّاشة .. خبير ومستشار في السياسات العامة والإدارة الاستراتيجية والتنمية المستدامة

تهريب المخدرات للسودان الجغرافيا السياسية لاقتصاد الحرب .. بقلم/ اسماعيل الناير عثمان .. باحث استراتيجي .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية

عرّف عالم الاجتماع الكبير ماكس فيبر الدولة بأنها الكيان الذي يحتكر العنف المشروع داخل حدوده، وقد كان يفترض ضمناً قدرتها على ضبط مصادر القوة المادية داخل مجالها العام. غير أن تحولات العولمة، كما أوضح مانويل كاستلز في تحليله لمجتمع الشبكات، أفرزت أنماطاً من الفاعلين العابرين للحدود يمتلكون مرونة تنظيمية وقدرة مالية تجعلهم قادرين على تقويض سيادة الدول من الداخل. في هذا السياق، لم تعد تهريب و تجارة المخدرات نشاطاً إجرامياً معزولاً، بل أصبحت أداة ضمن صراع الممرات والنفوذ في البيئات الهشة.
في هذا الإطار تكتسب عملية ضبط مخدرات التي نفذتها سلطات مكافحة التهريب بجمارك النيل الأبيض أهمية استراتيجية تتجاوز بعدها الجنائي. فقد تمكنت سلطات الجمارك ، بقيادة العميد شرطة حقوقي دكتور محمد نصر ، من ضبط أربعمائة وخمسين ألف حبة مخدرة، إلى جانب كرتونتين من مادة “الآيس”، كانت مخبأة داخل عشرين كرتونة تحتوي على مائة وخمسين صندوقاً، محمّلة على أربع عربات بوكس دفع رباعي قادمة من المناطق الحدودية مع دولة جنوب السودان. وقد قُدّرت القيمة الإجمالية للمضبوطات بنحو ثلاثة تريليون ومائة وخمسين مليون جنيه سوداني، وهو رقم يكشف بوضوح عن حجم الاقتصاد الإجرامي الذي يقف خلف هذه الشحنة.
هذه الأرقام ليست مجرد تفاصيل إحصائية، بل تعكس طبيعة السوق الذي تعمل فيه شبكات التهريب. فحين تبلغ قيمة شحنة واحدة هذا المستوى، فإننا أمام اقتصاد ظل يمتلك قدرة مالية تؤهله لشراء وسائل النقل الحديثة، وتأمين مسارات العبور، وربما اختراق بعض الحلقات الضعيفة في منظومة الرقابة. والأخطر أن هذه العوائد الضخمة يمكن أن تتحول إلى وقود مباشر للصراعات المسلحة، سواء عبر تمويل شراء السلاح أو عبر دعم شبكات عنف محلية وإقليمية.
السودان، بحكم موقعه الجغرافي، يمثل عقدة وصل بين الساحل الأفريقي والقرن الأفريقي والبحر الأحمر. هذه الجغرافيا تمنحه وزناً استراتيجياً، لكنها في الوقت ذاته تجعله عرضة لاختراق شبكات عابرة للحدود تستثمر في هشاشة المراحل الانتقالية. وفي إقليم الساحل، تداخلت خلال السنوات الماضية مسارات تهريب المخدرات مع شبكات السلاح والجماعات المسلحة، ما أدى إلى نشوء اقتصاد حرب عابر للحدود. وفي القرن الأفريقي، حيث تتقاطع خطوط الملاحة الدولية مع بؤر النزاع، تزداد حساسية أي اختراق أمني على الضفة الغربية للبحر الأحمر.
من هنا، فإن ضبط أربعمائة وخمسين ألف حبة مخدرة بقيمة تتجاوز ثلاثة تريليون جنيه لا يمثل فقط نجاحاً ميدانياً لسلطات الجمارك، بل يشير إلى محاولة استخدام السودان كممر استراتيجي ضمن شبكة أوسع. وإذا أضيفت مادة “الآيس” إلى المعادلة، بما تمثله من خطورة اجتماعية وصحية، فإن التهديد يصبح مركباً تهديداً للأمن القومي، وللسلم الاجتماعي، وللاستقرار الاقتصادي في آن واحد.
البعد الجيوسياسي للظاهرة يتجلى أيضاً في انعكاساتها الإقليمية. فاستقرار السودان يمثل جزءاً من منظومة أمن البحر الأحمر، وهو فضاء حيوي للمملكة العربية السعودية ومصر. أي توسع لشبكات المخدرات في الضفة الغربية قد يفتح مسارات تهريب بحرية أو برية تمتد آثارها إلى العمق العربي. وعليه، فإن نجاح جمارك النيل الأبيض في إحباط هذه الشحنة يحمل رسالة طمأنة إقليمية بقدر ما يحمل دلالة داخلية.
التجارب الدولية، خاصة في الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية، أظهرت أن تضخم اقتصاد المخدرات يؤدي إلى نشوء كيانات موازية تمتلك المال والسلاح والنفوذ الاجتماعي. وحين تعجز الدولة عن احتواء هذه الشبكات مبكراً، فإن كلفة المواجهة تتضاعف لاحقاً. لذلك فإن قراءة عملية ضبط هذه المخدرات يجب ألا تقف عند حدود الإشادة، بل أن تُدرج ضمن استراتيجية وطنية أشمل تعالج الظاهرة من جذورها.
استراتيجياً، المطلوب هو الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي تعزيز منظومة أمن الحدود بالتقنيات الحديثة، تطوير قدرات التحليل المالي لتتبع حركة الأموال المرتبطة بالشحنة التي قُدرت بثلاثة تريليون ومائة وخمسين مليون جنيه، وتوسيع نطاق التنسيق الإقليمي لمنع تشكل مسارات بديلة. كما أن تحصين المجتمعات الحدودية بالتنمية وفرص العمل يظل خط الدفاع الأول ضد تجنيد الشباب في شبكات التهريب.
في الختام ، تكشف عملية جمارك النيل الأبيض بقيادة العميد دكتور محمد نصر أن المعركة ضد المخدرات هي في جوهرها معركة على موقع السودان في خريطة الصراع الإقليمي. فإما أن يرسخ حضوره كدولة قادرة على حماية ممراتها وحدودها، أو يترك فراغاً تستثمره شبكات لا تعترف بسيادة ولا باستقرار. والأرقام التي أعلنتها السلطات ليست مجرد حصيلة ضبط ناجحة، بل إنذار استراتيجي يستدعي رؤية بحجم التحدي.

المقالة السابقة

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد موسم جديد من تسكت بس ؟!.. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *