Popular Now

قراءة في واقع السودان الآن: بين وضوح الحاضر وأوهام التأويل .. بقلم: د.أحمد الطيب السماني. أستاذ الإدارة والتنمية

حرب 15 أبريل في عامها الرابع .. الوقائع .. والسرديات (1-2) .. بقلم: العبيد أحمد مروح

سلسلة الحرب على السودان (25)-2 .. مؤتمر برلين إعادة تشكيل المشهد أم تكريس الفوضى المُدارة؟ .. إعداد: د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي

سلسلة الخيرية(11) .. مكارم لا تفنى: دروس خالدة في بناء الإنسان المؤمن ..بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

الحياة رحلة قصيرة، يمضي فيها الإنسان بين قوتين: قوة الفناء وقوة البقاء. فكل ما يتصل بالجسد إلى زوال، وكل ما يتصل بالروح والقيم باقٍ ما بقي الأثر في النفوس والقلوب. ومن أعظم ما قيل في هذا المعنى كلمات الحكمة التي رُويت عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حين لخّص مسيرة الإنسان في معانٍ قليلة لكنها عميقة الدلالة.
لقد أشار الإمام علي إلى حقيقة كونية لا يمكن للإنسان أن يهرب منها، حين قال إن أمرين لا يدومان للمؤمن: شبابه وقوته. فالشباب مرحلة عابرة، والقوة مهما بلغت فإنها لا تصمد أمام قانون الزمن. واليوم الذي يظن فيه الإنسان أن قوته لا تنكسر، سرعان ما يدرك أن الأيام تسلب الجسد ما أعطته إياه من طاقة وحيوية. ولهذا كان العقلاء يدركون أن الاستثمار الحقيقي في الحياة ليس في قوة الجسد، بل في قوة القيم والأخلاق.
ولهذا جاءت الحكمة الثانية لتكشف عن سر البقاء الحقيقي، حين قال إن أمرين ينفعان كل مؤمن: حسن الخلق وسماحة النفس. فالأخلاق الحسنة هي العملة التي لا تفقد قيمتها أبداً، وهي الجسر الذي يعبر به الإنسان إلى قلوب الآخرين. إن الكلمة الطيبة، والابتسامة الصادقة، والقدرة على العفو والتسامح، كلها صفات تجعل الإنسان محبوباً بين الناس ومقبولاً عند الله.
وسماحة النفس ليست ضعفاً، بل هي قوة أخلاقية عظيمة؛ لأن النفس التي تتسامح وتصفح وتلين للناس إنما تمتلك قدرة على الارتفاع فوق الصغائر والضغائن. ولهذا كان النبي ﷺ يؤكد أن أقرب الناس إليه يوم القيامة هم أحسنهم أخلاقاً.
ثم ينتقل الإمام علي إلى مرتبة أرفع من مكارم الأخلاق، حين يبين أن أمرين يرفعان شأن المؤمن: التواضع وقضاء حوائج الناس. فالتواضع ليس مجرد سلوك اجتماعي، بل هو انعكاس لصفاء القلب ونقاء الروح. الإنسان المتواضع لا يرى نفسه فوق الآخرين، بل يرى أن قيمته الحقيقية في خدمة الناس ونفعهم.
أما قضاء حوائج الناس فهو من أعظم أبواب الخير، لأن الله تعالى جعل في خدمة الخلق طريقاً لنيل رضاه. وما من إنسان يسعى في حاجة أخيه إلا كتب الله له أجراً عظيماً، وجعل له مكانة في قلوب الناس قبل أن تكون له مكانة في ميزان الآخرة.
وتكتمل هذه المعاني العظيمة حين يشير الإمام علي إلى أن أمرين يدفعان البلاء: الصدقة وصلة الأرحام. فالصدقة ليست مجرد عطاء مادي، بل هي رسالة رحمة تمتد من قلب إلى قلب، وتفتح أبواب البركة في حياة الإنسان. وقد ثبت في النصوص الكثيرة أن الصدقة سبب لدفع البلاء وتفريج الكروب.
أما صلة الأرحام فهي أساس تماسك المجتمع، لأن الأسرة الممتدة التي تتواصل وتتراحم هي اللبنة الأولى في بناء مجتمع قوي ومتماسك. ولذلك جعل الإسلام قطيعة الرحم من أعظم الذنوب، وجعل صلتها سبباً في طول العمر وسعة الرزق.
إن هذه الحكم العظيمة ترسم خريطة واضحة لحياة المؤمن:
فالجسد يضعف، لكن الأخلاق تبقى.
والشباب يرحل، لكن الأثر الطيب يظل خالداً.
ومن أدرك هذه الحقيقة عاش حياته وهو يسعى لترك بصمة من الخير في حياة الناس، لأن الإنسان لا يُقاس بما يملك من قوة أو مال، بل بما يزرعه من قيم وما يقدمه من خير.
وهكذا تبقى مكارم الأخلاق هي الزاد الحقيقي الذي يحمله الإنسان في رحلته إلى الله، وهي الإرث الذي يتركه للأجيال من بعده. فمن أراد حياة كريمة في الدنيا، ورفعة في الآخرة، فليجعل من حسن الخلق، والتواضع، والصدقة، وصلة الأرحام طريقاً يسير عليه، فهي مفاتيح البركة وأسرار السعادة في حياة الإنسان.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي … طرحنا رؤية توفيقية ، لان الراي فوق شجاعة الشجعان !!!

المقالة التالية

الراستا .. الراستفاريون والراستات .. بقلم/ الصادق عبدالله أبوعيّاشة .. خبير ومستشار في السياسات العامة والإدارة الاستراتيجية والتنمية المستدامة

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *