في خضم التصعيد المتسارع للصراع الإقليمي واضطرابات مضيق هرمز، يجد السودان نفسه أمام لحظة تاريخية نادرة: فرصة لإعادة تشكيل ميزان القوة داخلياً، لكنها تحمل في طياتها تهديداً وجودياً للاقتصاد المتهاوي. إن السؤال الجوهري لم يعد متعلقاً فقط بتأثيرات الخارج، بل بقدرة القيادة في الداخل –وعلى رأسها الفريق أول عبد الفتاح البرهان– على استغلال هذه اللحظة قبل فوات الأوان.
أولاً: المتغير الإقليمي.. “فجوة الإمداد” كفرصة استراتيجية
تشير المعطيات الجيوسياسية إلى أن انشغال الأطراف الإقليمية بالتوترات في الشرق الأوسط وارتفاع تكاليف التأمين البحري قد أدى إلى تعقيد خطوط الإمداد اللوجستي لبعض أطراف الصراع في السودان. هذه “الفجوة” ليست مجرد معطى عابر، بل هي نافذة استراتيجية لفرض سيطرة الدولة وإنهاء حالة الاستنزاف التي تمزق النسيج الوطني.
ثانياً: الاقتصاد في غرفة الإنعاش.. قراءة في الأرقام الصادمة
لم يعد الحديث عن الانهيار مجرد توقعات، بل تعكسه أرقام المؤسسات الدولية التي تضع السودان في منطقة الخطر الأقصى:

• التضخم الجامح: وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي، استمر التضخم في السودان بمستويات فلكية تجاوزت 200% في المتوسط خلال 2025، مع توقعات بوصوله إلى مستويات “التضخم المفرط” في مطلع 2026 إذا لم تتوقف الحرب، مما يعني انعدام القيمة الشرائية للعملة المحلية تماماً.
• الأمن الغذائي: تشير تقارير منظمة الفاو (FAO) وبرنامج الغذاء العالمي إلى أن أكثر من 25 مليون سوداني يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية بنسبة تجاوزت 300% في المناطق المتأثرة بالنزاع، مما يجعل شبح المجاعة حقيقة ماثلة لا مجرد تحذير.
• انكماش حاد: سجل الاقتصاد السوداني انكماشاً يقدر بنحو 18% إلى 20%، وهو ما يعد من أكبر معدلات الانكماش الاقتصادي في العالم حالياً.
ثالثاً: الذهب السوداني.. الملاذ الآمن والورقة الرابحة
في ظل الأزمات العالمية وارتفاع أسعار الذهب لمستويات قياسية (تجاوزت حاجز 2,500 – 2,700 دولار للأونصة)، يبرز الذهب كأهم مورد استراتيجي للسودان.
• تعظيم العوائد: الارتفاع العالمي في أسعار الذهب يمنح الخزانة السودانية “قُبلة حياة”، شريطة إحكام السيطرة على مناطق التعدين ومكافحة التهريب.
• تمويل التعافي: يمكن للذهب أن يكون المحرك الأساسي لتمويل استيراد الغذاء والوقود، وتوفير السيولة اللازمة لإعادة الإعمار، لكن هذا يتطلب “إرادة سيادية” لمركزة عوائد المعدن الأصفر في يد الدولة بعيداً عن شبكات المصالح الموازية.
رابعاً: أزمة قيادة أم أزمة موارد؟
المشكلة في السودان اليوم ليست في ندرة الذهب أو الموارد الزراعية، بل في غياب “القرار المركزي الحاسم”. إن التردد في تطهير مؤسسات الدولة من الولاءات المزدوجة، وغياب خطة طوارئ اقتصادية شفافة تعتمد على عوائد الصادرات السيادية، يفاقم من حدة الأزمة.
خامساً: متطلبات المرحلة.. خارطة الطريق
إذا كانت القيادة جادة في إنقاذ الدولة، فإن المطلوب هو الانتقال من “إدارة الأزمة” إلى “حسم الأزمة” عبر:
1. الحسم العسكري الميداني: لإنهاء حالة التردد وتأمين طرق التجارة والإنتاج.
2. حوكمة قطاع الذهب: تحويل الذهب من مورد “للاقتصاد الموازي” إلى رافعة مالية رسمية تدعم الجنيه السوداني.
3. مشروع العودة الوطنية: استقطاب الخبرات السودانية المهاجرة في مصر والخليج عبر سياسات تحفيزية، لكونهم المحرك الفعلي لإعادة البناء الاقتصادي لاحقاً.
التاريخ لا ينتظر المترددين :
السودان اليوم أمام مفترق طرق: إما استغلال اللحظة الإقليمية وارتفاع أسعار الموارد السيادية (كالذهب) لحسم الصراع، أو الاستمرار في “مراوحة المكان” حتى السقوط في هاوية الانهيار الشامل الذي لن تنجو منه أي مؤسسة.
السؤال لم يعد “متى تنتهي الحرب؟” بل “هل يمتلك البرهان شجاعة الحسم” لإنقاذ ما تبقى من السودان؟


