Popular Now

سلسلة مقالات الحرب على السودان .. التقرير الاستراتيجي رقم (15) .. الحرب على السودان .. من إدارة الصراع إلى مآلاته النهائية: بين الحسم العسكري والتسوية وإعادة تشكيل الدولة .. إعداد: د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. المواطن السوداني : ساحة المعركة وسلاحها .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز بمركز للدراسات الإنمائية

منشورات د. أحمد المفتي .. السياسة هي اقذر نشاط مباح ، ولكن لابد منه ، وتستطيع الجماهير اصلاحه !!!

معركة الكرامة في ظل حرب الشرق الأوسط (كيف وظفت الإمارات الانشغال العالمي لتعميق الصراع في السودان؟) ..مستشار/ أحمد حسن الفادني

في خضم التصعيد العسكري غير المسبوق الذي يشهده الشرق الأوسط مع انخراط الولايات المتحدة وإسرائيل في حملة عسكرية مكثفة ضد إيران منذ فبراير 2026 تبدو المنطقة وكأنها على حافة الهاوية، ولكن في زوايا الإقليم الأقل وضوحا، وتحديدا في القرن الأفريقي تتشكل مآلات معركة أخرى لا تقل خطورة عن معركة الكرامة في السودان.
وسط صافرات الإنذار التي تطلقها طهران وردود فعل دول الخليج استطاعت دويلة الإمارات توظيف هذا الانشغال العالمي لتوسيع نفوذها العسكري واللوجستي لا سيما من خلال تكثيف الدعم لميلشيا الدعم السريع وفتح جبهات إمداد جديدة عبر إثيوبيا وجنوب السودان مستفيدة من انقسام المشهد الإقليمي.

توظيف حالة الانشغال العالمي و الفراغ الإستراتيجي:
يمثل الهجوم العسكري على إيران وما تبعه من ردود فعل متباينة بما في ذلك استهداف دول الخليج العربي بالمسيرات والصواريخ فيما يسمى بحالة من العمى الإستراتيجي المؤقت الذي استغلته أبوظبي بكفاءة عالية فقد تحول انتباه المجتمع الدولي ولا سيما واشنطن والقوى الأوروبية نحو منع توسع رقعة الحرب في الخليج مما وفر غطاء سياسيا مناسبا لتعزيز العمليات العسكرية الإماراتية في السودان، و وفقاً لتحليلات الخبراء فإن الحرب الدائرة في إيران وما صاحبها من هجمات على الإمارات، والسعودية، والكويت وقطر أدت إلى تجميد مؤقت للتوترات بين الرياض وأبوظبي التي كانت قد بلغت ذروتها في نهاية عام 2025 ،فهذا التقارب القسري تحت وطأة التهديد الإيراني المشترك منح الإمارات مساحة إضافية لتأمين مؤخرتها الإقليمية والتركيز على مشروعها في السودان دون القلق من أي ضغوط سعودية أو إقليمية مباشرة خاصة مع انشغال الرياض أيضًا بتداعيات الحرب.

المعسكرات الإثيوبية… بوابة الدعم الجديدة:
أبرز مظاهر هذه الاستراتيجية الإماراتية كان الكشف عن معسكر تدريب سري تابع لقوات الدعم السريع في منطقة (منق) بإقليم بني شنقول بغرب إثيوبيا على بعد حوالي 32 كيلومترا من الحدود السودانية حيث كشفت التحقيقات التي نشرتها و كاملة رويترز في فبراير الماضي و التي استندت إلى صور الأقمار الصناعية ومصادر أمنية وإثيوبية رفيعة، كشفت أن الإمارات هي من مولت بناء هذه المعسكرات التي تستوعب ما يصل إلى 10 آلاف مقاتل كما قدمت مدربين عسكريين ودعما لوجستيا كبيرا ، هذا المعسكر لم يكن نقطة تجمع عابرة إنما تحول إلى منصة متكاملة للعدوان على السودان ، ففي يناير 2026 كان نحو 4300 مقاتل يتلقون التدريب داخل هذه المعسكرات مع خطط لتوسيع الاستيعاب كما تم تطوير مطار أصوصا القريب ليكون مركزا لعمليات الطائرات المسيرة (درون) وهي تعد بنية تحتية تخدم عمليات الدعم السريع عبر الحدود ، وبحسب مصادر دبلوماسية فإن هذا التحول في المواقع العسكرية الإثيوبية نحو الجبهة الغربية يهدف إلى حماية سد النهضة ومواجهة التهديدات المحتملة من الجيش السوداني وهذا حديث للتغطية فقط و الاستهلاك السياسي فهم يعلمون أن السودان في حالة أي هجوم على سد النهضة يعد من الدول الأكثر تضررًا.

جبهات الإمداد الممتدة من تشاد إلى جنوب السودان:
لم تقتصر الاستراتيجية الإماراتية على إثيوبيا فقط بل عملت على بناء شبكة إمداد معقدة تتجاوز العقبات الجيوسياسية مع تعقيد العلاقات مع تشاد التي كانت ممرا رئيسيا سابقا حيث نجحت أبوظبي في فتح مسارات جديدة عبر جنوب السودان، مستفيدة من حالة الهشاشة السياسية هناك، ففي هذا الوقت الذي تعاني فيه جوبا من انهيار اتفاق السلام وتصاعد العنف الداخلي تحولت إلى نقطة عبور للمقاتلين والإمدادات المتجهة إلى قوات الدعم السريع في إقليم دارفور واللافت أن هذا التوسع اللوجستي جاء متزامنا مع تقارير تؤكد وجود مقاتلين من جنوب السودان وجنسيات أخرى ضمن المجندين في المعسكرات الإثيوبية مما يشير إلى تحول الحرب في السودان إلى مشهد إقليمي متشابك حيث يتم استقطاب المقاتلين من المناطق الهشة مجددًا.

قراءة في السيناريوهات … نحو حرب إقليمية مفتوحة؟
على المستوى التحليلي يمكن قراءة هذه التطورات من خلال ثلاثة سيناريوهات رئيسية وهي:
1. سيناريو التمدد الإقليمي للحرب: مع استمرار الدعم الإماراتي للدعم السريع عبر إثيوبيا وتصاعد الاتهامات الرسمية من الخرطوم لأديس أبابا بتسهيل تحركات الميلشيا في ولاية النيل الأزرق، تزداد احتمالات تحول الحدود السودانية الإثيوبية إلى جبهة ساخنة هذا الأمر يهدد بإشعال صراع مباشر بين الجيش السوداني وإثيوبيا وهو سيناريو حذر منه محللون سياسيون، وصولًا إلى اعتباره فتحاً لباب جهنم في المنطقة.
2. سيناريو الضغط الغربي: مع انتهاء الحرب في الشرق الأوسط (إيران) إلى هدنة أو تسوية، قد يعود الضغط الأميركي والدولي للتركيز على السودان لكن حتى ذلك الحين فإن سياسية الانشغال المزدوج تستمر و نرى أن استمرار الحرب في الخليج قد يدفع القوى الكبرى إلى الضغط من أجل وقف إطلاق النار في السودان لحماية أمن البحر الأحمر والممرات الملاحية مما قد يشكل ضغطا إيجابيا، لكنه أيضاً قد يمنح المليشيات وقتا لترسيخ وجودها.
3. سيناريو تعميق الانهيار: استمرار تدفق الطائرات المسيرة والمقاتلين المدربين من معسكرات إثيوبيا إلى خطوط القتال في دارفور وكردفان والنيل الأزرق يخلق حالة من الجمود العسكري حيث يشعر كل طرف بقدرته على الاستمرار عسكريًا. ونرى إن الدعم الإماراتي المستمر للدعم السريع رغم بعض الأخبار عن وجود مفاوضات جارية في المنامة وجدة، يقلل من حوافز هذه الميلشيا لتقديم تنازلات سياسية حقيقية مما يطيل أمد الحرب ويزيد من معاناة الشعب السوداني.

معركة الكرامة في السودان تجاوزت اليوم حدودها الجغرافية لتصبح رهينة لتوازنات إقليمية كبرى، الإمارات التي تواجه اتهامات موثقة من خبراء الأمم المتحدة بدعمها العسكري واللوجستي للدعم السريع استطاعت عبر تحالفاتها مع إثيوبيا واستغلالها لحالة الانشغال بحرب الشرق الأوسط أن تعيد رسم خريطة الحرب لصالح حلفائها، وفي ظل استمرار القصف الإيراني على دول الخليج والهجمات المتبادلة مع الولايات المتحدة يبقى السودان رهينا لحسابات القوى الكبرى حيث يتسع هامش المناورة للجهات الإقليمية الفاعلة على حساب وحدة البلاد واستقرار المنطقة بأسرها.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في استمرار الحرب، إنما في أن يصبح السودان ساحة مفتوحة لصراع إقليمي طويل الأمد على غرار المشهد الليبي أو اليمني وهو ما يجب أن يشكل دعوة صريحة للمجتمع الدولي لإعادة النظر في سياساته تجاه هذه البقعة الحيوية من العالم.

المقالة السابقة

نداء للبرهان وكامل إدريس وبروفسور أحمد مضوي وزير التعليم العالي ودكتور جبريل: “أدركوا مؤسسات التعليم العالي والجامعات قبل فوات الأوان” ( 2 من 3 ) د. بابكر عبدالله محمد علي

المقالة التالية

الأنثروبولوجيا المنسية: لماذا يقرأ “المستشار الأجنبي” خريطة السودان أفضل منّا؟ .. محمد الخاتم تميم

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *