Popular Now

منشورات د. أحمد المفتي .. ماذا لو اوقفت ، لجنة ازالة التمكين ، الفساد فيما يتعلق بذهب السودان ؟؟!!

سلسلة مقالات الحرب على السودان .. التقرير الاستراتيجي رقم (15) .. الحرب على السودان .. من إدارة الصراع إلى مآلاته النهائية: بين الحسم العسكري والتسوية وإعادة تشكيل الدولة .. إعداد: د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. المواطن السوداني : ساحة المعركة وسلاحها .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز بمركز للدراسات الإنمائية

الأنثروبولوجيا المنسية: لماذا يقرأ “المستشار الأجنبي” خريطة السودان أفضل منّا؟ .. محمد الخاتم تميم

في دهاليز مراكز الأبحاث الألمانية والفرنسية، لا تُعامل القبيلة في “دير الزور” السورية أو “مرسى مطروح” المصرية أو “دارفور” السودانية كفلكلور شعبي، بل تُشرح بوصفها “وحدة بناء أمنية وجيوسياسية”. طرح الباحث المصري أحمد مولانا مؤخراً تساؤلاً جوهرياً حول اهتمام ألمانيا بدراسة قبائل “دير الزور” ومدى انخراطها في التنظيمات الجهادية، وكيف تحول باحثون مثل الألماني “توماس هوسكين” إلى مستشارين للخارجية والاستخبارات بعد دراسته لقبائل “أولاد علي” على الحدود الليبية. هذا الطرح يفتح الجرح السوداني النازف: لماذا يمتلك الغرب “مختبرات معرفية” لتركيبتنا الاجتماعية، بينما نمتلك نحن “مقابر” للمؤسسات البحثية؟
السودان.. مختبر “عرب الشتات” والخرائط الغربية
بينما تنشغل النخب السودانية ببيانات الشجب والإدانة، تعمل مراكز أبحاث مثل (Small Arms Survey) و(CNRS) الفرنسي بتمويلات سخية لرسم خرائط “عرب الشتات” والمجموعات العابرة للحدود بين السودان وتشاد والنيجر. هؤلاء الباحثون يدركون ما يجهله الكثير من مثقفينا؛ يدركون أن “المسار الرعوي” هو شريان إمداد عسكري، وأن “خشم البيت” هو وحدة الولاء الحقيقية التي تفوق في قوتها “بطاقة الحزب السياسي”.
في الغرب، البحث الأنثروبولوجي هو “سلاح ناعم” يسبق التدخل الخشن. الباحث هناك ليس مجرد أكاديمي، بل هو “مجس استشعاري” لمجتمعات يصعب على الاستخبارات التقليدية اختراقها. وكما قال “ياهو شافات هاركابي” مدير الاستخبارات الإسرائيلية الأسبق: “دراسة الدول الأجنبية تقع ضمن البحوث الأنثروبولوجية”. وهنا تكمن المصيبة؛ فالأجنبي يدرسنا ليفهمنا فيطوعنا، ونحن نرفض دراسة أنفسنا استعلاءً أو خوفاً.
بؤس المؤسسة البحثية السودانية: من “الاستشارة” إلى “التسول”
الفرق بيننا وبينهم ليس في الذكاء، بل في “المأسسة”. في الدول التي تحترم عقلها، يتمتع مدير المؤسسة البحثية بحصانة وحرية مالية واستقلالية تجعل من رأيه حجر زاوية لا يمكن لأي حكومة تجاوزه. الباحث هناك يرتقي ليصبح مستشاراً للأمن القومي مثل “كيسنجر” أو “بريجنسكي”.
أما في السودان، فقد تحولت المراكز البحثية إلى “منفى إجباري” لدفن الكفاءات وإبعادهم عن مراكز اتخاذ القرار. رئيس المؤسسة البحثية عندنا غالباً ما يجد نفسه “متسولاً” للتمويل، يطرق أبواب المنظمات الدولية أو يقتات على فتات الميزانيات الحكومية، مما يجعله رهينة لأجندة الممول بدلاً من أن يكون قاطرة للقرار الوطني. الباحث السوداني المتميز يُوضع في “الرف” لضمان عدم إزعاجه للسلطة بـ “حقائق العلم”، بينما يُفتح الباب على مصراعيه للباحث الأجنبي ليتجول في بوادينا ويجمع أدق أسرارنا الاجتماعية تحت غطاء “البحث الأكاديمي”.
البحث العلمي كـ “خيانة” أم كـ “ضرورة”؟
من المثير للسخرية أن بعض نخبنا تنظر للباحث الذي يغوص في تفاصيل المجتمع القبلية بعين الريبة، وكأنه “جاسوس” أو “محرض”، بينما يتم اعتقال الباحثين المحليين كما حدث مع نماذج عديدة في المنطقة العربية بتهمة “تكدير السلم العام”. والنتيجة؟ “عمى سوسيولوجي” شامل. الدولة لا تعرف مواطنيها، والمثقف لا يعرف شعبه، بينما “المستشار الأجنبي” يجلس في باريس أو برلين ويقلب خرائط “الولاءات والتحالفات” في دارفور وكأنه يلعب شطرنجاً يعرف كل قطعها.
المعرفة هي “القوة الصلبة”
ختاماً، إن لم نرتقِ بمستوى وعينا السوسيولوجي والأنثروبولوجي ليفوق وعي “المستشار الأجنبي”، فسنظل مجرد “موضوعات دراسة” في مراكز أبحاثهم. العشوائية التي نراها في إدارة أزمات السودان هي نتيجة طبيعية لغياب “البحث الاستراتيجي المستقل”.
لقد آن الأوان لندرك أن “المعرفة” هي التي تقود “القوة”، وأن احترام الباحث ومنحه الاستقلالية المالية والسياسية ليس ترفاً، بل هو خط الدفاع الأول عن السيادة الوطنية. فالدولة التي لا تدرس نفسها، يدرسها أعداؤها ليفككوها.

المقالة السابقة

معركة الكرامة في ظل حرب الشرق الأوسط (كيف وظفت الإمارات الانشغال العالمي لتعميق الصراع في السودان؟) ..مستشار/ أحمد حسن الفادني

المقالة التالية

راتب الأستاذ الجامعي ونفقة المطلقة والشيء بالشيء يذكر .. بقلم/ د. محمد حسن فضل الله

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *