Popular Now

سلسلة: الحرب على السودان .. التقرير رقم (21) استراتيجية شدّ الأطراف: قراءة تحليلية في تحولات الصراع السوداني وتشابكاته الإقليمية .. إعداد:د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي

جذور و أوراق : الثقافة التي لا تموت بانهيار جدران أبنيتها (قراءة في الحالة السودانية _ من الرماد إلى التنوير) .. بقلم: موفق عبدالرحمن

المجلس التشريعي المنتظر وما قبله .. رسالة أوجهها للرئيس البرهان ونائبه مالك عقار قبل صدور تشكيل المجلس التشريعي(2 من 2) ..د. بابكر عبدالله محمد علي

سلسلة: الحرب على السودان .. التقرير رقم (21) استراتيجية شدّ الأطراف: قراءة تحليلية في تحولات الصراع السوداني وتشابكاته الإقليمية .. إعداد:د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي

أولاً: مدخل عام – من مركز الصراع إلى أطرافه
تشهد الحرب في السودان تحوّلاً نوعياً في طبيعة الصراع، حيث لم تعد المعركة محصورة في المركز (الخرطوم)، بل اتجهت نحو استراتيجية “شدّ الأطراف” التي تعتمد على فتح جبهات متعددة في الأقاليم لإضعاف الدولة المركزية واستنزاف قدراتها العسكرية والسياسية.
في هذا السياق، برز دور قوات الدعم السريع كفاعل رئيسي يسعى إلى إعادة توزيع موازين القوة عبر تحريك النزاعات في الأطراف، مستفيداً من التحالفات الهشة والتناقضات التاريخية في الهامش السوداني.
ثانياً: تحولات التحالفات – تآكل نفوذ الحلو وتبدل الجغرافيا السياسية
أحد أبرز مظاهر هذه الاستراتيجية يتمثل في تراجع نفوذ عبد العزيز الحلو في جنوب كردفان، نتيجة تحالفه مع قوات الدعم السريع، وهو تحالف يتعارض مع المزاج الشعبي في جبال النوبة.
1. إرث تاريخي مثقل بالتهميش
منطقة جبال النوبة عانت تاريخياً من:
سياسات العزل خلال الاستعمار البريطاني (سياسة المناطق المقفولة)
التهميش التنموي والتعليمي
الإقحام القسري في صراعات الجنوب منذ تمرد الأنانيا وحتى الحركة الشعبية
هذا الإرث جعل أي تحالف مع قوة تُتهم بانتهاكات ضد المدنيين، مثل الدعم السريع، فاقداً للشرعية الشعبية.
2. انتقال النشاط إلى النيل الأزرق
في ظل هذا التراجع، تشير المعطيات إلى أن الحلو بدأ:
إعادة تموضع قواته
توسيع نشاطه نحو جنوب النيل الأزرق
وهو ما يعكس محاولة لتعويض خسارته في جنوب كردفان عبر فتح جبهة جديدة ضمن منطق “شد الأطراف”.
ثالثاً: الدعم السريع واستراتيجية تفكيك الدولة عبر الأطراف
تعتمد قوات الدعم السريع على عدة أدوات ضمن هذه الاستراتيجية:
1. توسيع مسارح العمليات
إشعال جبهات في دارفور، كردفان، والنيل الأزرق
استنزاف الجيش عبر توزيع قواته على مساحات واسعة
2. استغلال التناقضات بين الحركات المسلحة
مؤشرات على توتر محتمل بين حركتي عبد الواحد نور والطاهر حجر في شمال دارفور
تغذية الصراعات البينية لإضعاف أي جبهة موحدة ضدها
3. الاعتماد على الشبكات الداخلية
تقارير عن خلايا نائمة ومتعاونين داخل المدن
اختراقات أمنية واجتماعية تُستخدم في جمع المعلومات وتهيئة الأرض
رابعاً: البعد الإقليمي – تشابك الصراع السوداني مع محيطه
لم يعد الصراع سودانياً خالصاً، بل أصبح جزءاً من تفاعلات إقليمية أوسع:
1. الدور الإماراتي وتصاعد التوتر
تُثار تساؤلات متزايدة حول:
دور إقليمي لبعض الدول في تأجيج الصراع
تزامن ذلك مع تصاعد التوترات في الخليج، بما في ذلك استهدافات بالصواريخ والمسيرات
هذا الربط يعكس احتمال:
استخدام السودان كساحة صراع غير مباشر
توظيف الفاعلين المحليين ضمن صراعات إقليمية أكبر
2. ملف سد النهضة والتوترات الإقليمية
التقارير حول:
تحركات عسكرية قرب سد النهضة
وجود أطراف إقليمية منخرطة بشكل غير مباشر
تشير إلى أن:
الصراع قد يمتد إلى القرن الإفريقي
احتمالات التصعيد الإقليمي قائمة، خاصة مع تداخل المصالح المصرية والإثيوبية والسودانية
خامساً: تطورات الميدان – تقدم الجيش وتآكل قدرات الدعم السريع
على المستوى العسكري، تظهر مؤشرات على:
1. استعادة الجيش زمام المبادرة
بسط السيطرة على محاور استراتيجية
تدمير منظومات تشغيل الطائرات المسيّرة
2. تراجع تكتيكي للدعم السريع
خسائر في الكوادر الفنية
تآكل القدرة على إدارة العمليات النوعية
لكن، في المقابل، يعوض ذلك عبر:
تكثيف حرب الأطراف
الاعتماد على حرب العصابات والانتشار اللامركزي
سادساً: المسار السياسي – مبادرات متعثرة وانقسام مدني
في الجانب السياسي، تبرز عدة تطورات:
1. رؤية حمدوك ذات المسارات الأربعة
تتضمن:
وقف الحرب
استعادة الحكم المدني
إطلاق عملية سياسية شاملة
لكنها تواجه:
ضعف التأثير على الأرض
غياب التوافق بين القوى المدنية
2. مواقف متباينة داخل القوى السياسية
تصريحات متناقضة حول عودة لجنة إزالة التمكين
انقسامات داخل قوى الثورة
ما يعمّق:
الفراغ السياسي
ويمنح الأطراف العسكرية مساحة أوسع للتحرك
سابعاً: السيناريوهات المحتملة
استناداً إلى المعطيات الحالية، يمكن طرح ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
1. سيناريو الاستنزاف الطويل
استمرار الحرب دون حسم
توسعها جغرافياً
تدهور الأوضاع الإنسانية
2. سيناريو الحسم الجزئي
تقدم الجيش في المركز
مقابل استمرار التمرد في الأطراف
3. سيناريو التسوية السياسية
بضغط إقليمي ودولي
لكنه يظل مرهوناً بتوازنات القوة على الأرض
خاتمة: السودان بين تفكيك الأطراف وإعادة بناء المركز
تكشف استراتيجية “شد الأطراف” عن تحول عميق في طبيعة الحرب السودانية، حيث لم يعد الهدف مجرد السيطرة على السلطة، بل إعادة تشكيل الدولة نفسها عبر تفكيك أطرافها.
وفي ظل:
هشاشة التحالفات
تعقيدات المشهد الإقليمي
والانقسام السياسي الداخلي
فإن مستقبل السودان سيظل رهيناً بقدرته على:
إعادة بناء مركز سياسي قوي
واحتواء التناقضات التاريخية في الهامش

المقالة السابقة

جذور و أوراق : الثقافة التي لا تموت بانهيار جدران أبنيتها (قراءة في الحالة السودانية _ من الرماد إلى التنوير) .. بقلم: موفق عبدالرحمن

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *