عندما تشتعل الحروب، تنهار الجدران أولاً، و تسقط المؤسسات، ويتبعثر الأرشيف وتصمت المسارح.
حينها قفز إلى ذهني السؤال الجوهري الذي طَرَح نفسه وسط ركام الحالة السودانية آنذاك _ هل تموت الثقافة بموت مؤسساتها؟
أم أن الأزمة هي المختبر الحقيقي الذي يعيد إنتاج الثقافة كفعل قيادي تنويري لا كفعل ترفي و ترفيهي فحسب؟
١. المواجهة.. الثقافة في خط النار
لم يكن توقف و انهيار المؤسسات الثقافية في السودان في سنة الحرب الأولى و ما تلاها مجرد توقف للميزانيات وغياب ل هيكل الدولة الثقافي ، بل كان استهدافاً مباشراً لذاكرة الأمة ومقدراتها ووجدانها .
ومع ذلك _ برزت ظاهرة و بادرة قوية ، فحين غابت مؤسسات الدولة الثقافية الرسمية _ شخصت و حضرت مؤسسات المجتمع الثقافية بقوة _ حيث بدأت تتحول منصات النزوح
ومجموعات التواصل الرقمي وبيوت الإيواء إلى صالونات وملتقيات أدبية وثقافية ومراكز للمقاومة الرمزية والحضور الثقافي .
هذه المواجهة قالت و أثبتت أن الثقافة السودانية تمتلك صلابة داخلية مستمدة من إرث النفير المكون للشخصية السودانية ، حيث تحول المثقف من منتج للنصوص فحسب ، إلى حارس للوعي _
استطاع أن يحمي الهوية من التفتت وسط خطاب الكراهية المأزوم و لغة الحرب الكريهة .
٢. الاستمرارية.. لماذا صمدت الذات الثقافية السودانية؟
في تقديري أن صمود الثقافة السودانية في وجه هذه الصدمة القوية، لأنها لم تكن يوماً رهينة للمبنى، بل هي ثقافة معنى.
ذلك لأنها مخزنة في الوجدان الجمعي وفي الحكايا، وفي لحون غناءنا الجميل و في إيقاعات (الدلوكة)، وفي أشعار الوطنية و الصمود التي يتناقلها الناس شفاهة.
ويمكنني القول في ذلك بأن غياب المؤسسة المركزية كشف عن وجه هذه التعددية الثقافية المذهلة في الولايات والمجتمعات المحلية _ والتي برزت وفرضت نفسها كبديل فاعل .
والثقافة هنا هي عصب اجتماعي يمنح الفرد شعوراً بالانتماء حين تضيق به الأرض .. وهي الكابح الذي يمنع الانهيار النفسي الكامل أمام بشاعة الحرب .
٣. عبقرية الشتات.. المبدع السوداني سفيراً للوعي
لم يكن خروج المبدعين السودانيين من بلادهم مجرد هجرة اضطرارية _ بل تحول إلى انتشار استراتيجي محمود للثقافة السودانية .
ففي كل مهجر تحول المبدعون إلى سفراء يحملون وجع الوطن وأمل العودة فعملوا على التعبير العفوي وتدويل قضيتهم عبر المعارض التشكيلية، والكلمة، والحفلات والندوات التي جعلت من المأساة السودانية قضية إنسانية عالمية.
وتحول المبدع في المهاجر الجديدة إلى أرشيف حي يوثق الهوية ويحميها من الذوبان ليظل الحبل السري مشدوداً بقوة الحنين مع الداخل الجريح.
٤. الحضور الميداني.. مؤسسات المجتمع المدني تتصدى
بينما صمتت المؤسسات الرسمية لبعض الوقت بفعل صدمة الحرب ، نهضت مؤسسات ومبادرات مجتمعية من قلب الركام لتؤدي دوراً قيادياً وتنويرياً جسوراً كُتب بمداد المبادأة و والمبادرة الوفية و المسؤولة، وأحاول هنا أن أشير فقط لبعض هذه المبادرات والتي من أبرزها:
دار فلاح لتطوير الأغنية الشعبية
ففي الوقت الذي انشغل فيه الناس بأسباب التأمين و محاولة التغلب على الأخطار نهضت هذه الدار من جديد و تصدت لدور قائد ورائد فهي لم تكتفِ حينها بالحفاظ على الموروث الذي عملت عليه منذ تأسيسها، بل جعلت من الأغنية الشعبية أداة للتماسك الوجداني وتعزيز القيم التي تجمع السودانيين مؤكدة أن صوت الشعب لا يُهزم، فجابت أرجاء أمدرمان تنشر الفرح و تغني في الطرقات بجميل الألحان الوطنية وبعطر الحقيبة الفائح.
جماعة إعمار المسارح السودانية: التي اجترحت جهود العمل على ترميم الذاكرة المسرحية وتفعيل الفنون في أقسى الظروف فكانت بداية التنادي بالمسرح القومي بأمدرمان إيماناً بأن (الخشبة) هي المنصة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي ومواجهة قبح الحرب بجمال الفن، فكانت المبادرة من أخوة كبار في كسبهم الفني جاؤوا إلى سوح المسرح و بدأوا شرارة العمل في نوفمبر من العام الماضي 2025، أذكر منهم الأستاذ عبدالله عبدالسلام، و الأستاذ عبدالفتاح جقود، الأستاذ الحلو عبدالله الحلو بمؤسسة الرائدة (إبحار) و فريقه الاستراتيجي، الأستاذ عبدالباقي حسين، الأستاذ الرائد عبدالباقي، الأستاذ الشريف، و الأستاذ توفيق، و الأستاذ محمد المهدي الفادني، الأستاذ محمد عبدالله موسى، و الدكتور فيصل أحمد سعد الأستاذ حاتم أمريكي و قائمة طويلة امتدت إلى أن انطلقت المبادرة، و توالت الزيارات و تمت تسمية الكيان و قياداته من بعد وصولاََ للأستاذ طارق البحر و الأستاذ عبد الرافع حسن بخيت، والتحية هنا مستحقة للجهود المحمودة التي قادت للاحتفال الباهي و الكبير بفعاليات اليوم العالمي للمسرح في الأيام الفائتة والمسارح السودانية تتأهب لتطلع بدور التنوير و الحضور الواعي.
مبادرات الإسناد الثقافي
ونهضت في ذلك عشرات المجموعات الثقافية والأدبية والتشكيلية في مراكز الإيواء ، التي حولت الكتاب واللوحة إلى أدوات للدعم النفسي وإعادة تأهيل الوجدان المحطم _ واذكر هنا جهود إدارات الثقافة في الولايات التي شكلت الملاذ للنازحين في سوح الوطن الرحيبة في القضارف وكسلا والبحر الأحمر و نهر النيل و الشمالية و النيل الأزرق وغيرها من الولايات.
٥. النهوض.. الثقافة كفعل استرداد
إن إعادة بناء الوعي الثقافي بعد الدمار لا تعني مجرد ترميم المباني، بل صياغة عقد اجتماعي جديد .
فالثقافة اليوم في السودان هي القائد الحقيقي في رحلة العودة إلى الذات وهي التي تضع خارطة الطريق عبر:
_ محاربة السيولة الأخلاقية ومنع انزلاق المجتمع نحو الكراهية .
_ توطين التنوير بالانتقال من نخبوية المركز إلى رحابة الهامش ليكون الوعي القادم مبنياً على التأكيد على الاعتراف الجهير بالتنوع.
ونتعشم قريباََ في عودة المنتديات الثقافية والتي تمثل نبض الحركة الثقافية في الخرطوم لتملأ مساءاتها بالجمال و الروعة فيعود منتدى راشد دياب و منتدى الساحة الخضراء و منتدى النادي العالمي و منتدى النجوم و منتدى الحروف و منتدى مركز عبدالكريم ميرغني و منتدى العمدة و منتدى الجمعة في (شمبات) و منتدى الأسطورة و منتدى مراسي الشوق و منتدى المها و … وغيرها من المنتديات التي رسمت خارطة الجمال و الإبداع في سماء العاصمة الخرطوم.
الخاتمة :
إن الحالة السودانية تعلمنا أن المؤسسات قد تُهدم، لكن الروح الثقافية هي طائر الفينيق الذي يخرج من الرماد.
وتعلمنا كذلك بأن الثقافة بمبدعيها في الداخل والخارج وبمؤسساتها المجتمعية الحية هي الحصن الذي لا يسقط وهي الجسر الذي سنعبر عليه حتماً نحو سودان الوعي و التسامح و جمال الثقافة الأخّاذ.


