Popular Now

أصل القضية | هل إلى دراسة المجتمع السوداني من سبيل؟ .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

” المعاملة بالمثل” .. منهج أكاديمي يطرح رؤية دبلوماسية لعلاقات “الخرطوم وواشنطن”

وجه الحقيقة | البرهان بين الخطاب والصمت … إبراهيم شقلاوي

أصل القضية | هل إلى دراسة المجتمع السوداني من سبيل؟ .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

ليس أعقد ما في المجتمعات أن تتغيّر، بل أن تُدرَس بأدواتٍ لا ترى ما تغيّر فيها.
في السودان، لا تكمن الأزمة فقط في تعقيد الواقع، بل في الطريقة التي نحاول بها فهم هذا الواقع.
نحن نعيش لحظة تاريخية كثيفة التحولات، حيث تتفكك البُنى التقليدية، وتُعاد صياغة العلاقات الاجتماعية، وتنشأ أنماط جديدة من الانتماء والهشاشة في آنٍ واحد.
ومع ذلك، لا تزال أدواتنا التحليلية في كثير من الأحيان أسيرة قوالب قديمة، تقرأ المجتمع كما كان، لا كما أصبح.
وهنا تبدأ أصل القضية.
أولاً: إشكالية النظر… لا المنظور فقط

دراسة المجتمع السوداني ليست مستحيلة، لكنها تتطلب أولًا الاعتراف بأن الإشكال ليس في نقص المعلومات، بل في زاوية النظر إليها.

فالمجتمع السوداني ليس كيانًا ساكنًا، بل هو بنية ديناميكية متعددة الطبقات:
● تقليدية وحديثة.
● حضرية وريفية.
● مركزية وهامشية.
● متماسكة ومتفككة في الوقت نفسه.
وأي محاولة لفهمه عبر عدسة واحدة هي في جوهرها تبسيط مُخل.

ثانياً: من “الوصف” إلى “الفهم العميق”

كثير من الكتابات حول السودان تقع في فخ السرد، نصف الظواهر لكننا لا نفسرها، نقول:
● هناك نزاعات،
● هناك هجرة،
● هناك تراجع في الخدمات،

لكننا نادراً ما نسأل:
كيف تتفاعل هذه الظواهر مع بعضها لتنتج واقعًا جديدًا؟
الفهم الحقيقي يبدأ حين نربط:
● الاقتصاد بالهوية.
● الجغرافيا بالسلطة.
● التاريخ بالسلوك اليومي.

حينها فقط ننتقل من “مشاهدة المجتمع” إلى “تفكيكه وإعادة تركيبه”.

ثالثاً: المجتمع السوداني كحالة “تحوّل مستمر. السودان اليوم ليس مجتمعًا في أزمة فقط، بل هو مجتمع في طور إعادة التشكل.

هناك ثلاث حركات كبرى تجري بالتوازي:
١. إعادة توزيع القوة الاجتماعية
لم تعد السلطة الاجتماعية حكرًا على البُنى التقليدية، بل بدأت تتشكل عبر شبكات جديدة (شباب، نزوح، اقتصاد غير رسمي).

٢. تفكك مركزية الدولة
ما كان يُدار من المركز أصبح يُعاد إنتاجه محليًا،د بصيغ متفاوتة من التنظيم والفوضى.

٣. صعود الهويات الجزئية
حين تضعف الهوية الجامعة،
تبحث المجتمعات عن بدائل أصغر… وأكثر حدة أحيانًا.

رابعاً: لماذا نفشل في قراءة المجتمع؟

لأننا غالبًا نقع في ثلاثة أخطاء منهجية:
– الإسقاط: نحاكم الواقع بما نريده أن يكون
– الاختزال: نختصر التعقيد في سبب واحد
– التسييس المفرط: نُحمّل كل ظاهرة معنى سياسيًا مباشرًا. هذه الأخطاء لا تُنتج معرفة، بل تُنتج مواقف.

خامساً: من “الواقع كما نراه”… إلى “الواقع كما يُصنع”

لفهم المجتمع السوداني بعمق أكبر، قد لا يكفي أن نصف الظواهر أو حتى نربط بينها، بل نحتاج أن نسأل سؤالًا أكثر جذرية:
كيف يتكوّن هذا الواقع أصلًا؟
هنا ندرك أن المجتمع لا يُبنى فقط بما هو موجود، بل بما نتفق على أنه موجود.
● ليست الدولة مجرد مؤسسات،
● ولا السلطة مجرد قرارات،
● ولا الهوية مجرد انتماء، بل هي جميعًا بُنى قائمة على:
– اتفاق على الشرعية
– اتفاق على المعنى
– اتفاق على “من يملك ماذا… ولماذا”

لكن…ماذا يحدث حين يتآكل هذا الاتفاق؟
ما نشهده اليوم ليس فقط أزمة موارد أو صراع سلطة، بل هو اهتزاز في الواقع الاجتماعي المتفق عليه:
● حين تختلف الجماعات حول معنى “الدولة”
● حين تتعدد تعريفات “الشرعية”
● حين تصبح “القوة” بديلًا عن “الاعتراف” ، فنحن لا نعيش فقط صراعًا سياسيًا، بل نعيش إعادة تفاوض على قواعد الواقع نفسه.

سادساً: بين “نكرة الواقع”… و“عقلية البقرة”

لفهم أعمق لهذا التعقيد نحتاج إلى ما يمكن تسميته مجازًا: «عقلية البقرة»
استنباطًا من قصة بني إسرائيل حين أُمروا بذبح بقرة، فجاء الأمر نكرة، بسيطًا، مفتوحًا غير مُثقَل بالتفاصيل.

لكن ما الذي حدث؟
لم يتعاملوا مع “النكرة” بوصفها مساحة للفعل، بل بوصفها مدخلًا للالتباس، فأكثروا السؤال:
○ ما لونها؟
○ ما طبيعتها؟
○ ما صفتها؟

حتى تحوّل الأمر البسيط إلى مسألة معقدة.

وهنا تكمن الإشارة: ليست المشكلة في غموض الواقع، بل في عجزنا عن التعامل مع ما هو مفتوح فيه.

في السودان… نواجه واقعًا “نكرة” بمعنى ما (متغير، غير مكتمل، غير مُحَدَّد نهائيًا)،
و بدل أن نتعامل معه بمرونة:
● نسعى إلى “تعريفه قسرًا”
● نحاصره بالتصنيفات
● نثقله بالتفسيرات الجاهزة

فنُعقّد ما يمكن أن يُفهم لو تُركناه لتكشف وحده.

سابعاً: الذكاء والقدرة على استشعار الغموض

في هذا السياق، تبرز ملاحظة عميقة للمفكر الطيب بوعزة: “توجد علاقة طردية بين الذكاء والاستشعار بالغموض؛ فالعقل المحدود يميل إلى تبسيط الوجود، ويرى الظواهر كحقائق بديهية ومسطحة لا تستدعي التساؤل.”

وهنا نصل إلى لبّ الأزمة:
ليست مشكلتنا في أن الواقع معقد، بل في أن بعض أدواتنا العقلية تخاف من هذا التعقيد.
فبدلاً من احتضان الغموض كمدخل للفهم،
● نُسرع إلى تبسيطه،
● نحوّله إلى شعارات،
● أو مواقف،
● أو أحكام جاهزة.

وهكذا…
نفقد القدرة على رؤية ما يحدث فعلاً.

ثامناً: نحو منهج “الجسر والمورد”

إذا أردنا دراسة المجتمع السوداني بجدية، فنحن بحاجة إلى منهج مختلف، لا مجرد أدوات جديدة.
رؤية الجسر والمورد تقترح:
١. الفهم قبل الحكم
لا تحاول تفسير الظاهرة قبل أن تفهم سياقها الكامل.

٢. الربط بدل الفصل
لا تدرس الاقتصاد بمعزل عن الاجتماع، ولا السياسة بمعزل عن الثقافة.

٣. البناء على الممكن
ابدأ من الواقع كما هو وابنِ عليه.

لكن الأهم…
أن هذا المنهج لا يكتفي بقراءة الواقع، بل يسعى إلى إعادة بناء المعاني المشتركة التي يقوم عليها.

تاسعاً: السؤال الأهم
هل يمكن دراسة المجتمع السوداني؟
نعم…
لكن ليس بالعقلية التي تبحث عن إجابات جاهزة، بل بالعقلية التي:
– تقبل الغموض.
– تحسن طرح الأسئلة.
– وتدرك أن الفهم عملية مستمرة.

أصل القضية،،
السودان ليس لغزًا مستحيلًا، لكنه أيضًا ليس نصًا سهل القراءة.

إنه كتاب مفتوح، لكن صفحاته كُتبت عبر التاريخ، والجغرافيا، والصراع والأمل.

ومن أراد أن يقرأه حقًا عليه أن يتعلم أولًا كيف يقرأ، لا ماذا يقرأ.
لأن أخطر ما يمر به أي مجتمع ليس أن يختلف أفراده على المصالح، بل أن يختلفوا على معنى الواقع نفسه.
وهنا بالضبط أصل القضية

المقالة السابقة

” المعاملة بالمثل” .. منهج أكاديمي يطرح رؤية دبلوماسية لعلاقات “الخرطوم وواشنطن”

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *