(1)
جاء خطاب حميدتي الأخير وكأنه محاولة للجمع بين خطاب قائد عسكري، وخطيب حماسي، ومذيع برنامج قريبا جدا مع جرعة عالية من الوعود المفتوحة التي لا يحدد لها زمان ولا مكان..الخطاب الذي استمر قرابة 18 دقيقة بدا أشبه بمحاولة شحن بطارية المعنويات بعد ظهور مؤشر البطارية ضعيفة داخل قوات الدعم السريع والحاضنة الاجتماعية.
(2)
الأخبار السارة التى لم تصل بعد عنوان الخطاب .. اكثر ما تكرر في الخطاب هو عبارة:(حتسمعوا أخبار سارة قريب) وهي العبارة التي تحولت عمليا إلى مشروع وطني قائم بذاته، لأن قريبفي الخطاب السياسي زمن مطاطي قد يبدأ اليوم وينتهي بعد أربعين سنة… وهي المدة نفسها التي لوّح بها المتحدث لاستمرار الحرب… فالخطاب بدا وكأنه يقول:اصبروا… النصر قادم… فقط لا تسألوا من أين ومتى وكيف.
( 3)
النفي بطريقة تفيد التأكيد … اللافت أن جزءاً كبيرا من الخطاب انشغل بإثبات أن الدعم السريع ليس مليشيا. وهي معركة لغوية مرهقة تشبه شخصاً يدخل مجلساً قائلاً:(يا جماعة أنا ما زعلان… لكن خلوني أوضح ليكم ليه أنا ما زعلان)… فالكيانات الواثقة من تعريفها لا تدخل عادة في معركة يومية لإقناع الناس بأنها ليست ما يصفها به الجميع.
(4)
حربنا ضد الجميع… تقريبا في الخطاب لم يعد الخصم مجرد الجيش، بل:الإسلاميون، الدواعش ، الإرهابيون، الشياطين، الكتائب، الأمن، الاستخبارات، وربما أي شخص لم يقل (ما قصرتوا)..حتى أن المستمع يشعر أحياناً أن المتحدث يخوض حرباً ضد قاموس كامل من المفردات السياسية والعسكرية.
(5)
ما في حاجة اسمها جيش.. هى أكثر اللحظات الساخرة أن الخطاب حاول إلغاء مؤسسة عمرها عقود بجملة واحدة:(ما في حاجة اسمها جيش وهي جملة لو أخذناها حرفياً، فربما تحتاج الخرائط العسكرية في العالم إلى تحديث عاجل لأن السودان – بحسب الخطاب – أصبح أول دولة في التاريخ تخوض حرباً بلا جيش!
(6)
دولة البديل بدون تفاصيل …. الخطاب تحدث كثيراً عن الدولة الجديدة والمشروع السياسي لكن دون أن يعرف الناس:اين الدستور؟ اين المؤسسات؟ أين شكل الحكم أين الاقتصاد؟ اين الخدمات؟ كأن الفكرة العامة هي:
“نبني الدولة لاحقاً… نحن حالياً نركز على الحماس.فقط
(7)
الدين والعاطفة والوعود هى خلطة الخطاب السحرية فالخطاب استخدم كل أدوات التعبئة الممكنة: الشهداء، المظلومية، الدعاء، الأطفال، النساء، النصر، الصبر،ما قصروا، بإذن الله قريب جداًحتى بدا وكأن المتحدث يحاول إدارة:
معركة عسكرية، وحلقة ذكر، خطاب تعبوي،
واجتماع دعم نفسي… في وقت واحد.
(8)
السلام… ولكن بعد حرب طويلة جداً من أوضح التناقضات في الخطاب أنه يقول: نحن لا نريد الحرب يقسم على ذلك ثم يتحدث مباشرة عن احتمال استمرارها لعشرات السنين.
وهي نسخة سياسية من العبارة الشهيرة:(انا ما داير مشكلة… لكن لو دايرها بنقعد ليها العمر كله.)
(9)
الخطاب بدا كأنه جلسة علاج نفسي جماعي لطبيب فاشل ، او تعويذة سحر لساحر مبتديء، بل في كثير من اللحظات بدا الخطاب أقرب إلى محاولة طمأنة الداخل أكثر من مخاطبة الخارج: طمأنة المقاتلين، طمأنة الحاضنة، طمأنة الجرحى، طمأنة المنشقين المحتملين، وطمأنة من تبقى من المتفائلين.حتى أن الرسالة الأساسية يمكن تلخيصها في (الوضع ممتاز… فقطلا تنظروا كثيراً إلى الواقع)
(10)
ختاماً خطاب نجح في شيء واحد بامتياز: وهو إثبات أن الحروب الطويلة لا تُنتج فقط أزمات عسكرية، بل أيضاً خطابات مليئة بالحماس والانفعال والوعود المفتوحة ومحاولات إقناع الناس بأن كل شيء تحت السيطرة)… بينما نصف الخطاب مخصص أصلاً لمحاولة إثبات ذلك. وباختصاركان الخطاب أقرب إلى مؤتمر رفع معنويات عاجل أكثر من كونه خطاب قائد يملك مشروع دولة واضح أو رؤية سياسية متماسكة.


