(لو قامت الساعة، وبأحكم فسيلة فليغرسها) حديث شريف، وما أعظمه من توجيه لكل من ألقى السمع وهو شهيد..
كم من الأشجار جرى اختيارها وغرسها بحماس، ثم لم تنجح؟ وكم يا ترى مارسنا زراعة الأشجار ونجحنا في رعايتها حتى أصبحت جزءاً من المكان والحياة؟ إن “ثقافة الشجرة” دعوة للإقتراب والتعرف أكثر على الشجرة، وفهم احتياجاتها، وممارسة غرسها ورعايتها بعلم و وعي ومسؤولية.
وكم يا ترى من شجرة باسقة في طريق عام، أو شجيرة صغيرة في فناء منزل، أو إلى نبتة مزهرة في مزهرية أو في حديقة، ننظر إليها ليست مجرد نبات صامت، بل كائناً حياً له دورة حياة كاملة، واحتياجات دقيقة، ووظائف ترتبط بحياة الإنسان والطبيعة؟
من هنا تبدأ الدعوة إلى ثقافة الشجرة، بوصفها وعياً يتجاوز مجرد غرس الشتلات إلى فهم معنى الشجرة ودورها في استمرار الحياة وتحقيق التوازن البيئي والجمالي والاقتصادي. فالشجرة، سواء كانت عشبة موسمية صغيرة، أو شجيرة تمنح حوائط المنزل رونقاً أو شجرة مورقة ظليلة، أو مثمرة، هي جزء أصيل من منظومة الحياة. وهي كائن حي يولد وينمو ويزدهر، ثم يمرض ويشيخ ويموت. لذلك فإنها تحتاج إلى رعاية تبدأ منذ اختيار البذرة أو الشتلة، بدءاً من تحضير الأرض، ثم الغرس والسقاية والتسميد والحماية والمتابعة المستمرة. ووصف البهجة بالكلمات محال يتقال.
كثيراً ما نباشر غرس الأشجار بحماس مؤقت، ثم يفتر الحماس وتترك العناية، فتضعف الشجرة أو تموت. رب سبب رئيس في ذلك، هو عدم المعرفة، وضعف المثابرة وقلة الحيلة. فالنبتة الصغيرة تشبه الطفل في حاجتها الدائمة إلى العناية والاهتمام، وتحتاج إلى بيئة مناسبة، وماء، وغذاء وحماية. والشجرة بنت بيئتها؛ فهي تتكيف مع التربة والمناخ والحرارة والرطوبة والضوء المتوفر لها. ولهذا لا تنجح كل الأشجار في كل البيئات، ولا يصلح كل نبات لكل مكان.
كم من شجرة أعجبت الناس نباتها، بظلها أو ثمرها أو جمالها، لتزرع في بيئة غير مناسبة، فلا تعيش ولا يتحقق الهدف منها. فالشجرة الناجحة هي الشجرة الملائمة في البيئة الملائمة، مع الرعاية والحماية المناسبة. ولذلك فإن المعرفة بطبيعة الأشجار واحتياجاتها تُعد أساساً لنجاح التشجير.
وقد أدرك الإنسان منذ القدم أن الأشجار تستجيب للظروف المحيطة بها بصورة مدهشة؛ فهي تزدهر حين تتوفر لها أسباب الحياة، وتضعف عندما تتعرض للإهمال أو التلوث أو الاعتداء. بل إن بعض الدراسات الحديثة تشير إلى أن الأشجار تتفاعل مع بيئتها بصورة أعقد مما كان يُعتقد. هل يا ترى تحزن وتكتئب الأشجار؟
الشجرة كانت دائماً حاضرة في حياة الإنسان وأضافت لها قيمة. فقد وفرت الغذاء، والظل، والمأوى، والخشب والوقود، وأسهمت في بناء الحضارات واستقرار المجتمعات. ومن الأشجار يحصل الإنسان على الثمار والزيوت والأدوية والأخشاب والعطور والأصماغ، كما ظلت الشجرة مأوى للإنسان، والحيوان والطير، وارتبطت بمعاني الأمان والسكينة والخصب.
لكن الإنسان، مع ازدياد حاجاته واتساع العمران وتضاعف أعداد السكان، بدأ يستهلك الأشجار بصورة مفرطة. فقطعت الغابات، وأزيل الغطاء النباتي، وتجرفت الأراضي من أجل الوقود والبناء والتوسع العمراني، حتى أصبحت مساحات واسعة تعاني من التصحر وتدهور البيئة. ولم يكن الخطر في الاستفادة من الأشجار نفسها، وإنما في غياب الوعي والتوازن، وفي التعامل معها باعتبارها مورداً يُستنزف بلا تعويض.
ومن هنا تبرز أهمية نشر “ثقافة الشجرة” بوصفها معرفة وسلوكاً حضارياً ينبغي أن يصبح جزءاً من التعليم والإعلام والحياة اليومية. فزراعة الأشجار ليست مسؤولية الحكومات وحدها، ولا مهمة المتخصصين فقط، بل هي مسؤولية جماعية يشترك فيها كل فرد يستفيد من الهواء والماء وموارد البيئة.
وزراعة الشجرة ترقى لفرض العين. والمطلوب ليس أن يصبح كل إنسان خبيراً في علوم النبات، بل أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة الذي يجعله قادراً على احترام الشجرة وفهم احتياجاتها والمساهمة في غرسها ورعايتها. فالمطلوب هو الممارسة الواعية والحاذقة. وأن يباشر بنفسه ممارسة زراعة شجرة.
تبدأ ثقافة الشجرة بالتعرف على أنواع الأشجار وخصائصها وطرق نموها والعوامل التي تساعدها على الحياة، مثل التربة المناسبة، والري، والضوء، وتأثير الحرارة والرياح. كما تشمل معرفة كيفية اختيار الموقع المناسب للغرس، واختيار الأنواع الملائمة للبيئة والغرض المطلوب.
ومن عوامل النجاح الاستفادة من التجارب الناجحة في البيئة المحلية، لأن الشجرة التي تنجح في بيئة مجاورة تكون غالباً أقدر على النجاح من شجرة غريبة من بيئة مختلفة تماماً. ومع ذلك، فقد نجحت بع الاشجار المنقولة، مما يحفز ويشجع من التجريب والتوطين المدروس لبعض الأنواع، متى توفرت لها الرعاية المناسبة.
فحين يرغب الإنسان في زراعة شجرة، لا يكفي أن يحفر حفرة ويضع الشتلة فيها، ولا بد أن تكون الحفرة قد تم تجهيزها بشكل مناب. لكن لا بد من التساؤل: هل هذه الشجرة مناسبة للمناخ؟ وإلى أي مدى تتحمل الحرارة أو الجفاف؟ وهل جذورها مناسبة للمكان؟ وهل ستؤثر مستقبلاً على المباني أو الطرق أو شبكات المياه؟ وهل تحتاج إلى ري كثيف أم أنها من النباتات المحلية المتكيفة مع البيئة؟
إن كثيراً من مشكلات التشجير في المدن والقرى تنتج من غياب الوعي الكافي، حيث تُزرع أشجار غير مناسبة، أو تُغرس في أماكن خاطئة، أو تُترك دون صيانة. هل تحتاج الشجرة إلى غسيل في بيئة شديدة الغبار؟ لذلك فإن الأشجار المحلية المتكيفة مع البيئة غالباً ما تكون أكثر نجاحاً واستدامة، لأنها أقل استهلاكاً للمياه وأكثر مقاومة للظروف المناخية.
وتشمل ثقافة الشجرة أيضاً فهم أسس التشجير الحضري، أي زراعة الأشجار داخل المدن وحول المنازل والطرق والمرافق العامة. فالأشجار في المدن ليست مجرد زينة، بل تؤدي وظائف مهمة؛ فهي تخفض درجات الحرارة، وتقلل الغبار والتلوث، وتوفر الظل، وتلطّف المناخ، وتحسن الصحة النفسية وتمنح المدن رونقاً وجمالاً.
كذلك التشجير الحضري يحتاج إلى معرفة دقيقة بمعايير الزراعة داخل المدن، مثل اختيار النوع المناسب، والمسافات البينية، والمواقع المسموح بها، ومراعاة شبكات الخدمات والأعمدة وإشارات المرور. بل إن بعض أنواع الأشجار قد تكون غير مسموح بزراعتها لأسباب تتعلق بالسلامة أو البيئة أو البنية التحتية.
ولا تقتصر أهمية الشجرة على المدن وحدها، بل تمتد إلى الريف والمزارع والغابات، حيث تسهم الغابات الصغيرة والمجتمعية في حماية البيئة، وتحسين المناخ المحلي، وتثبيت التربة، ومكافحة التصحر واستعادة التوازن البيئي.
ومن الجوانب المهمة في ثقافة الشجرة التعرف على كيفية تجويد غرسها، ثم رعايتها بعد الغرس. فالرعاية لا تقل أهمية عن الزراعة نفسها، وتشمل الري المنتظم، والتسميد المتوازن، والتقليم السليم، والحماية من الآفات والأمراض، وتوفير الدعم والتثبيت عند الحاجة.
كما ينبغي إدراك أن أكثر ما يهدد الأشجار هو التعدي البشري نفسه، سواء بالإهمال أو القطع الجائر أو الاعتداء المباشر. فكثير من الأشجار تُتلف بسبب ردم التربة حول الجذور، أو تتعرض الشجرة إلى قطع جائر للفروع بطريقة عشوائية، أو دلق مواد كيمائية تحتها، ماء ملوث وزيوت، أو استخدام مواد ضارة أثناء أعمال البناء والتوسعة. بل إن بعض الأشجار العامة تُقطع لمصالح شخصية دون وجه حق.
ولكي تُكتسب ثقافة الشجرة بصورة حقيقية، لا بد من المشاهدة والتأمل والممارسة، إلى جانب القراءة والتعرف على المعلومات العلمية. كذلك من المهم زيارة الحدائق والغابات، والتعرف على أنواعها، والاستماع إلى الخبراء، والمزارعين والفنيين، والمشاركة في الفعاليات البيئية والزراعية. واليوم أصبحت المعرفة متاحة عبر الكتب والمنشورات والمقاطع المرئية والبرامج الإرشادية والمنصات التعليمية المختلفة.
وتعليم الأطفال والشباب زراعة ورعاية الشجرة. فنجاحها مؤشر لنجاحهم. ومهما بلغت المعرفة النظرية، فإن التجربة العملية تظل ضرورية. فغرس شجرة صغيرة ومتابعة نموها يفتح باباً واسعاً لفهم عالم الأشجار بصورة أعمق، ويجعل الإنسان أقرب إلى الطبيعة وأكثر إحساساً بقيمة الحياة.
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان أن يزرع شجرة يرعاها بنفسه ويشهد نموها عاماً بعد عام. فغرس شجرة ليس مجرد عمل زراعي عابر، بل مساهمة مباشرة في تحسين البيئة وخدمة المجتمع وصناعة مستقبل أكثر توازناً واستدامة.
إن العالم اليوم في حاجة متزايدة إلى الأشجار بسبب التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة وتراجع الغطاء النباتي وتزايد التصحر والتلوث. ولذلك فإن كل شجرة تُزرع بعلم ورعاية تمثل استثماراً حقيقياً في الإنسان والأرض والمستقبل.
وفي النهاية، فإن “ثقافة الشجرة” ليست دعوة عابرة للتشجير، بل دعوة لبناء وعي جديد يعيد الاعتبار للطبيعة، ويؤكد أن التنمية الحقيقية لا تنفصل عن حماية البيئة وصون موارد الحياة. وكل شجرة تُزرع بعلم ورعاية تمثل خطوة نحو عالم أكثر خضرة وتوازناً وجمالاً. ازرع شجرة تحصد ثمرة. هذا مستخلص من مرشد قاربت صفحاته الأربعين صفحة (8100 كلمة)
الصادق عبدالله أبوعياشة، مايو 2026
sadigabdala@gmail.com
facebook.com/elsadig.abdalla.503
linkedin.com/in/elsadig-abdalla
ثقافة الشجرة: الصادق عبدالله أبوعيّاشة .. خبير و مستشار في السياسات العامة .. الإدارة الاستراتيجية والتنمية المستدامة
المقالة السابقة


