Popular Now

إعادة هيكلة الخدمة المدنية في السودان .. ضرورة دولة لا خيار حكومة .. نحو جهاز حكومي ذكي في عصر الثورة الصناعية الرابعة .. بقلم: د. أحمد الطيب السماني .. مدير عام سابق لإدارة التخطيط والسياسات بوزارة العمل السودانية

منشورات د. أحمد المفتي ، رقم 6061 | عندما يكتب شيخ جليل ” جرعة وعي” فإن ذلك يعضد مسيرتنا

التنين الصيني والشرق الأوسط.. ثم ماذا بعد؟ .. د.إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتيجية و الأمنية

إعادة هيكلة الخدمة المدنية في السودان .. ضرورة دولة لا خيار حكومة .. نحو جهاز حكومي ذكي في عصر الثورة الصناعية الرابعة .. بقلم: د. أحمد الطيب السماني .. مدير عام سابق لإدارة التخطيط والسياسات بوزارة العمل السودانية

طالعت عنوانًا عريضًا بصحيفة التيار اليوم يشير إلى اتجاه الحكومة نحو تخفيض العاملين بالدولة، فشعرت بقدر كبير من الارتياح والأمل إذا ما تم تنفيذ هذا التوجه بصورة علمية ومدروسة، لا باعتباره مجرد سياسة تقشف مالي، وإنما باعتباره مشروعًا وطنيًا لإعادة بناء الدولة السودانية الحديثة.

ومن واقع عملي السابق بوزارة العمل مديرًا عامًا للتخطيط والسياسات خلال العامين 2016م – 2017م، وبحكم الاختصاص والاطلاع على ملفات الخدمة المدنية وإحصائيات ديوان شؤون الخدمة، ظللت أؤمن بأن قضية تضخم الجهاز الحكومي ليست مجرد عبء مالي، بل هي واحدة من أكبر معوقات الكفاءة والإنتاج والتحول المؤسسي في السودان. وسبباً في خلق أزمات غير مباشرة منها على سبيل المثال المواصلات.

وقد كانت لدينا آنذاك تقديرات ودراسات وأوراق عمل تشير بوضوح إلى أن حجم الوظائف الحكومية لا يتناسب إطلاقًا مع حجم العمل الحقيقي المطلوب أو المنجز داخل مؤسسات الدولة. ووفق الدراسات متوسط إنتاج الموظف السوداني فقط عشرة دقائق في اليوم اذا ما قسمنا حجم العمل المنجز على عدد العاملين.
ووفقًا للإحصائيات الرسمية في ذلك الوقت، كان عدد العاملين بالخدمة المدنية السودانية يقارب 800 ألف موظف بمختلف الدرجات الوظيفية، بينما تشير الدراسات العملية وتحليل عبء العمل إلى أن الدولة تستطيع إدارة مؤسساتها بكفاءة عبر ما بين 25% إلى 40% فقط من هذا العدد، بحسب طبيعة كل مؤسسة واختصاصاتها.

بمعنى آخر، فإن السودان كان – وما يزال – يدفع تكلفة تشغيلية ضخمة لأعداد تفوق الحاجة الفعلية للدولة، تشمل المرتبات، والمخصصات، والمواصلات، والطاقة، والإيجارات، والأثاثات والخدمات التشغيلية الأخرى، في وقت تعاني فيه البلاد من ضعف الإيرادات، وارتفاع تكلفة الإدارة الحكومية وتراجع جودة الخدمات العامة.

إن العالم اليوم لم يعد يقيس قوة الدولة بعدد موظفيها، وإنما بمستوى كفاءة أنظمتها الرقمية وقدرتها على إنجاز الخدمات إلكترونيًا بأقل تكلفة، وأعلى سرعة وأكبر شفافية.

لقد دخل العالم فعليًا عصر الثورة الصناعية الرابعة، حيث أصبحت الحكومات الذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والأنظمة الإلكترونية، والحوسبة السحابية، وربط البيانات والخدمات المؤتمتة.
وفي هذا الواقع الجديد لم يعد الهاتف الذكي ترفًا، بل أصبح منصة دولة متنقلة يستطيع المواطن من خلالها استخراج الوثائق، ودفع الرسوم، والحصول على الخدمات ومتابعة معاملاته دون الحاجة إلى التكدس داخل المكاتب الحكومية.

وفي كثير من الدول الحديثة تحول دور الموظف الحكومي من “منفذ مباشر للخدمة” إلى “مراقب ومحلل وموجّه للأنظمة الإلكترونية”، بينما أصبحت الأنظمة الذكية تقوم بالمهام التشغيلية اليومية بدقة وسرعة تفوق الأداء البشري التقليدي.

ولذلك فإن إعادة هيكلة الخدمة المدنية في السودان لم تعد خيارًا إداريًا، بل أصبحت ضرورة استراتيجية لبقاء الدولة نفسها.

لكن نجاح هذه العملية يتطلب التعامل معها بعقلية الإصلاح لا بعقلية الاستغناء القاسي، لأن الموظف الحكومي ليس رقمًا جامدًا، بل إنسان له أسرة والتزامات وحياة اجتماعية.
ومن هنا فإنني أرى أن أي مشروع لإعادة الهيكلة ينبغي أن يقوم على عدة محاور أساسية:

أولًا: إعادة توصيف الوظائف الحكومية

بحيث يتم تحديد الوظائف الضرورية فعلًا وفق تحليل علمي لعبء العمل، وإلغاء الوظائف المكررة، والهياكل المتضخمة والوحدات عديمة الفاعلية.

ثانيًا: التحول الإلكتروني الكامل للخدمات

فكل خدمة يمكن إنجازها إلكترونيًا ينبغي ألا تبقى رهينة للمعاملات الورقية أو الحضور الشخصي.

ثالثًا: الدعم الانتقالي للعاملين الذين تتم هيكلتهم

وأقترح هنا منح العامل الذي تتم هيكلته راتبًا ثابتًا أو دعمًا انتقاليًا لمدة عام كامل دون إلزامه بالحضور للوحدة الحكومية، حتى يتمكن من توفيق أوضاعه، أو إعادة تأهيله، أو الدخول في سوق العمل الحر، أو القطاع الخاص أو المشروعات الصغيرة.

رابعًا: إعادة توجيه الموارد نحو الإنتاج

فالأموال التي تُستهلك في تضخم الجهاز الإداري يمكن تحويلها إلى قطاعات الإنتاج الحقيقي مثل الزراعة، والصناعة، والتقنية، والتعليم والصحة.

خامسًا: بناء حكومة ذكية لا حكومة مكتبية

بحيث تصبح المؤسسات الحكومية منصات رقمية مترابطة تعمل بالبيانات والأنظمة الذكية، لا بالمكاتبات الورقية والصفوف الطويلة.

وعندما ننظر إلى التجارب الدولية نجد أن كثيرًا من الدول المتقدمة تدير أجهزة حكومية عالية الكفاءة بعدد محدود نسبيًا من الموظفين مقارنة بحجم السكان والخدمات، اعتمادًا على التقنية والحوكمة الرقمية.

ففي سنغافورة مثلًا، تُعد الحكومة من أكثر الحكومات كفاءة في العالم رغم محدودية حجم الجهاز الإداري، وذلك بفضل التحول الرقمي الشامل وربط الخدمات إلكترونيًا.
وفي إستونيا، أصبحت معظم الخدمات الحكومية تُنجز عبر الإنترنت بالكامل حتى صارت تُعرف عالميًا باسم “الدولة الرقمية”.
أما في دول الخليج، فقد قطعت الحكومات شوطًا متقدمًا في الحكومة الذكية والذكاء الاصطناعي، وأصبح إنجاز كثير من المعاملات يتم عبر تطبيقات الهاتف دون الحاجة إلى الحضور الفعلي.

إن السودان بعد الحرب يحتاج إلى إعادة تأسيس شاملة للدولة، وليس فقط إعادة تشغيل المؤسسات القديمة بذات العقليات والآليات التي صنعت الترهل، والبطء وضعف الإنتاجية.

نحن أمام فرصة تاريخية لبناء جهاز حكومي رشيق، ذكي، قليل التكلفة، عالي الكفاءة قادر على مواكبة العالم لا العيش خارجه.

فالمرحلة القادمة ليست مرحلة “كثرة موظفين” ، وإنما مرحلة “كفاءة أنظمة”.

ومن لا يواكب هذا التحول سيجد نفسه خارج حركة التاريخ.
دمتم ودام الوطن بخير.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي ، رقم 6061 | عندما يكتب شيخ جليل ” جرعة وعي” فإن ذلك يعضد مسيرتنا

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *