Popular Now

سلسلة مقالات: الحرب على السودان (38) |الخرطوم بين إعادة الإعمار وفوضى الحرب..الدولة تحاول استعادة الخدمات والدعم السريع يواجه اتهامات بتغذية اقتصاد النهب والانفلات .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

هل يُسقط الاستسلام أو العفو العام مسؤولية المقاتل عن جرائم الحرب؟ .. قراءة قانونية في التشريع السوداني والقانون الدولي .. د. خالد حسين محمد

وجه الحقيقة | رشان.. بين هيبة القانون وحكمة العفو .. إبراهيم شقلاوي

هل يُسقط الاستسلام أو العفو العام مسؤولية المقاتل عن جرائم الحرب؟ .. قراءة قانونية في التشريع السوداني والقانون الدولي .. د. خالد حسين محمد

في أوقات النزاعات المسلحة، كثيرًا ما يُثار دفاع متكرر مفاده أن المقاتل كان ينفذ أوامر قادته، أو أنه استسلم لاحقًا، أو أن الدولة أصدرت عفوًا عامًا ضمن تسوية سياسية، وبالتالي يفترض سقوط مسؤوليته الجنائية.
غير أن هذا الطرح، من الناحية القانونية، لا يصمد إلا بعد تفكيكه إلى ثلاث دوائر مختلفة: – المسؤولية الجنائية الفردية عن الجريمة،
– والحماية الإجرائية أو السياسية التي قد تمنحها الدولة
– وحقوق الضحايا الخاصة التي لا تملك السلطة العامة إسقاطها إلا في الحدود التي يقررها القانون.

وتكتسب هذه التفرقة أهمية خاصة في السودان، لأن النظام القانوني السوداني يجمع بين الدعوى الجنائية العامة وحقوق القصاص والدية والتعويض، كما أنه أدخل منذ تعديل 2009 جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية في صلب القانون الجنائي الوطني.

أولًا: المسؤولية الجنائية للمقاتل لا تقتصر على الفاعل المباشر
في القانون السوداني، لا تقوم المسؤولية الجنائية على من ارتكب الفعل بيده فقط، وإنما تمتد أيضًا إلى صور الاشتراك المختلفة، مثل التحريض، والمساعدة، والمؤامرة الجنائية والفعل المشترك.
وهذا يعني أن المقاتل قد يُسأل بوصفه فاعلًا أصليًا، أو شريكًا، أو محرِّضًا أو مساهمًا في تنفيذ جريمة ارتُكبت داخل بنية تنظيمية أو عسكرية.

وتتضح هذه القاعدة بصورة أكبر بعد تعديل القانون الجنائي السوداني في عام 2009، الذي أدرج نصوصًا صريحة بشأن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، بما يشمل القتل العمد للأشخاص المحميين، والتعذيب، والعنف الجنسي، وتجنيد الأطفال، والنهب، والاعتداء على المدنيين والأعيان المحمية، واستهداف العمليات الإنسانية واستخدام وسائل وأساليب قتال محظورة.

وبذلك، أصبحت مساءلة المقاتل عن جرائم الحرب في السودان تستند إلى نصوص داخلية مباشرة، وليس فقط إلى مبادئ القانون الدولي.

أما على المستوى الدولي، فالمبدأ الحاكم هو المسؤولية الجنائية الفردية. فالشخص يُسأل عن الجريمة إذا ارتكبها، أو أمر بها، أو حرّض عليها، أو ساعد في تنفيذها، أو ساهم فيها ضمن مشروع إجرامي مشترك. وهذا هو ذات الاتجاه الذي رسخته مبادئ نورمبرغ منذ وقت مبكر.

ثانيًا: الاستسلام لا يمحو الجرائم السابقة
الإجابة القانونية المختصرة هنا واضحة: الاستسلام لا يُسقط المسؤولية الجنائية عن جرائم الحرب التي ارتُكبت قبل الاستسلام.

صحيح أن الاستسلام يغيّر الوضع القانوني للمقاتل، فيصبح شخصًا خارج القتال ويتمتع بالحماية من القتل والتعذيب وسوء المعاملة، لكن هذا الأثر يتعلق بالمستقبل، لا بالماضي.
بمعنى آخر، من يُلقي سلاحه أو يقع في الأسر أو يصبح خارج القتال يجب أن يُعامل معاملة إنسانية، لكن ذلك لا يمنحه حصانة من المحاسبة عن الجرائم التي ارتكبها قبل استسلامه.

وهذا المبدأ ثابت في القانون الدولي الإنساني، الذي يوجب حماية من استسلم، لكنه لا يقرر أبدًا أن الاستسلام يمحو ما سبقه من أفعال مجرّمة. كما لا يوجد في التشريع السوداني ما يفيد أن مجرد الاستسلام يؤدي إلى سقوط الدعوى أو انقضاء العقوبة في جرائم الحرب.

والأثر العملي للاستسلام يقتصر ،في الغالب، على انتقال الشخص إلى وضع المقبوض عليه أو المحتجز الذي يتمتع بضمانات قانونية، وربما يُؤخذ استسلامه أو تعاونه لاحقًا في الاعتبار عند تقدير العقوبة، لكنه لا يُعد إعفاءً تلقائيًا من المسؤولية.

ثالثًا: العفو العام لا يبتلع حقوق الضحايا
من أهم المسائل في هذا السياق التمييز بين الحق العام، وهو حق الدولة في تحريك الدعوى الجنائية والعقاب، والحق الخاص، وهو حق الضحية أو أولياء الدم في القصاص، أو الدية أو التعويض.

في الإطار السوداني، العفو العام أو التسوية السياسية قد يؤثران في الحق العام بحدود النص الذي يقررهما، لكنهما لا يُسقطان تلقائيًا الحق الشخصي.
فالقصاص ،في الأصل، حق يثبت للمجني عليه ثم ينتقل إلى أوليائه، كما أن الدية والتعويض حقوق مقررة لهم، ولا تزول إلا إذا صدر منهم هم عفو أو صلح معتبر قانونًا.

وهنا تظهر أهمية النصوص الإجرائية والجنائية السودانية التي تقرر أن الصلح أو العفو في الجرائم التي تتضمن حقًا شخصيًا لا ينتج أثره إلا بمقدار ذلك الحق. وهذه عبارة دقيقة تعني أن السلطة العامة لا تملك، من تلقاء نفسها، إسقاط كل ما يتصل بحقوق الضحايا.

وتؤكد الممارسة السودانية نفسها هذا الاتجاه، إذ إن بعض صيغ العفو العام السابقة استثنت من نطاقها من يواجهون أحكام قصاص أو أحكامًا مدنية، وهو ما يكشف بوضوح أن العفو السياسي لا يُفترض فيه ابتلاع حقوق الأفراد.

أما في القانون الدولي، فالعفو الشامل عن الجرائم الدولية الجسيمة، مثل جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية والتعذيب، يواجه تضييقًا شديدًا، لأنه يصطدم بالتزامات الدولة في التحقيق والملاحقة ومنع الإفلات من العقاب، فضلًا عن حقوق الضحايا في الحقيقة، والإنصاف والجبر.

رابعًا: أوامر القادة ليست صك براءة
ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر حساسية في النزاعات المسلحة: هل يُعفى الجندي أو المقاتل من المسؤولية لأنه كان ينفذ أوامر رؤسائه؟

القاعدة القانونية المستقرة تقول: الأمر العسكري لا يعفي إلا إذا كان أمرًا مشروعًا.
أما إذا كان الأمر غير مشروع، وخاصة إذا كان ظاهر البطلان أو ينطوي على جريمة حرب، فإنه لا يشكل سببًا للإعفاء من المسؤولية.

في القانون الجنائي السوداني، لا يُعد الفعل جريمة إذا وقع تنفيذًا لالتزام قانوني أو لأمر قانوني صادر من سلطة مختصة، أو إذا اعتقد الفاعل بحسن نية أنه ملزم بذلك. لكن جوهر المسألة هنا هو وصف الأمر بأنه قانوني، لا مجرد كونه صادرًا من رئيس أعلى.

وينسحب الأمر ذاته على قانون القوات المسلحة السودانية، الذي يربط الحماية بحسن النية وبمشروعية الأمر، لا بمجرد الطاعة العسكرية. وبالتالي، فهذه النصوص لا تنشئ حصانة موضوعية لمرتكبي جرائم الحرب، وإنما قد تقرر حماية في حالات تنفيذ الأوامر المشروعة فقط.

أما القانون الدولي، فقد حسم هذه المسألة منذ نورمبرغ، حين قرر أن تنفيذ أوامر الحكومة أو الرئيس لا يعفي من المسؤولية الجنائية، وإن جاز للمحكمة أن تأخذه في الاعتبار عند تقدير العقوبة في ظروف معينة.
وتكرر هذا المعنى في القانون الدولي الإنساني العرفي، وكذلك في نظام روما الأساسي، الذي لا يقبل هذا الدفاع إلا بشروط ضيقة للغاية، منها ألا يكون الأمر ظاهر عدم المشروعية.

وفي الجرائم الجسيمة، مثل قتل المدنيين، وتعذيب الأسرى، والاغتصاب، والنهب وقتل من استسلم، فإن عدم المشروعية يكون في الغالب ظاهرًا وواضحًا، بما لا يترك مجالًا للاعتذار بالطاعة.

خامسًا: مسؤولية القائد لا تلغي مسؤولية المنفذ
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن مساءلة القائد تعني إعفاء الجندي أو المنفذ الأدنى رتبة.
وهذا غير صحيح قانونًا.

فالقائد قد يُسأل لأنه أمر بالجريمة، أو علم بها، أو غض الطرف عنها، أو فشل في منعها أو إحالتها للتحقيق. لكن ذلك لا يمحو المسؤولية الفردية للمنفذ المباشر، الذي يظل مسؤولًا عن الفعل الذي ارتكبه بنفسه.

وهذا المنطق يتفق مع كلٍّ من القانون الدولي والقانون السوداني، لأن السلسلة القيادية قد توسّع دائرة المسؤولية، لكنها لا تحوّل المنفذ إلى أداة بلا إرادة وبلا مساءلة، خاصة عندما يتعلق الأمر بجرائم ظاهرة البطلان.

النتيجة العملية: لا حصانة بالاستسلام ولا بالعفو ولا بالأوامر غير المشروعة
إذا ارتكب مقاتل، سواء كان من القوات النظامية أو من جماعة مسلحة، أفعالًا تشكل جرائم حرب، مثل قتل المدنيين عمدًا، أو تعذيب الأسرى، أو النهب، أو الاغتصاب أو قتل من ألقى سلاحه، ثم استسلم لاحقًا، فإن استسلامه لا يمحو تلك الجرائم.

ومن لحظة الاستسلام فقط، يصبح شخصًا محميًا من الاعتداء ويجب أن يُعامل معاملة إنسانية، لكن ذلك لا يطهر الفعل السابق.

وإذا صدر عفو عام من رئيس الدولة، فإن أثره قد ينصرف إلى الحق العام في الحدود التي يقررها نص العفو، لكنه لا يُسقط تلقائيًا حقوق الضحايا أو أولياء الدم في القصاص، أو الدية أو التعويض، لأن هذه الحقوق مقررة لهم قانونًا، ولا تزول إلا بإرادتهم أو وفقًا لما يحدده القانون.

أما الدفع بتنفيذ الأوامر، فلا ينجح إذا كان الأمر غير مشروع أو ظاهر الإجرام. وفي أفضل الأحوال، قد يُنظر إليه كسبب محتمل لتخفيف العقوبة في حالات ضيقة، لكنه لا يمحو الجريمة ولا يرفع المسؤولية.

خاتمة
الخلاصة القانونية الراجحة هي أن المقاتل يُسأل جنائيًا عن جرائم الحرب التي ارتكبها، وأن الاستسلام لا يطهّر فعله السابق، وأن العفو العام لا يُسقط تلقائيًا الحقوق الخاصة وأن أوامر القادة لا تعفي من المسؤولية إذا كانت غير مشروعة أو ظاهرة الإجرام.

وهذه النتيجة هي الأكثر اتساقًا مع القانون الجنائي السوداني بعد تعديل 2009، ومع قانون القوات المسلحة السودانية عند تفسيره تفسيرًا مقيدًا بمشروعية الأمر، كما تنسجم مع المبادئ المستقرة في القانون الدولي، من نورمبرغ إلى نظام روما والقانون الدولي الإنساني العرفي.

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | رشان.. بين هيبة القانون وحكمة العفو .. إبراهيم شقلاوي

المقالة التالية

سلسلة مقالات: الحرب على السودان (38) |الخرطوم بين إعادة الإعمار وفوضى الحرب..الدولة تحاول استعادة الخدمات والدعم السريع يواجه اتهامات بتغذية اقتصاد النهب والانفلات .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *