Popular Now

المواطن السوداني في معادلة ما بعد الحرب .. د. غادة الهادي يوسف أحمد .. خبير في إدارة الكوارث والأزمات والتنمية الريفية المستدامة

وجه الحقيقة | السودان… سلامٌ تتنازعه العواصم إبراهيم شقلاوي

منشورات د. أحمد المفتي .. تابع سد النهضة (1150) : من الذي قال أن السودان سوف يستفيد من سد النهضة أكثر مما تستفيده إثيوبيا ؟!!

المواطن السوداني في معادلة ما بعد الحرب .. د. غادة الهادي يوسف أحمد .. خبير في إدارة الكوارث والأزمات والتنمية الريفية المستدامة

فرضت الحرب الأخيرة في السودان واقعًا إنسانيًا واجتماعيًا بالغ التعقيد، تجاوز حدود الدمار المادي ليطال الإنسان السوداني نفسه نفسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا. فالحروب لا تكتفي بتدمير المدن والبنى التحتية، بل تمتد آثارها إلى تفكيك التماسك المجتمعي، وإضعاف منظومة القيم، وزعزعة شعور المواطن بالأمان والانتماء والثقة في الدولة.
وفي خضم التحولات السياسية والعسكرية التي فرضتها الحرب، يبرز سؤال جوهري يتعلق بموقع المواطن السوداني في معادلة ما بعد الحرب: هل سيكون الإنسان السوداني محورًا حقيقيًا لمرحلة التعافي وإعادة البناء، أم سيظل الطرف الأكثر تحمّلًا لتبعات الصراع سياسيًا، واقتصاديًا واجتماعيًا؟

ط
ولم تقتصر معاناة المواطن السوداني على آثار الحرب وحدها، بل سبقتها لسنوات أعباء اقتصادية متزايدة، حيث اعتادت الدولة معالجة أزماتها الاقتصادية وقصور ميزانيتها على حساب المواطن، عبر فرض الضرائب والرسوم المختلفة. وحتى قبل حرب أبريل، رُفع الدعم عن عدد من السلع والخدمات، وتُرك المواطن محدود الدخل يصارع وحده من أجل توفير أساسيات الحياة، لا من أجل العيش الكريم.
واليوم، وبعد أن أصبحت العديد من المناطق التي كانت تحت سيطرة مليشيا الدعم السريع أكثر أمنًا نسبيًا، ما يزال المواطن السوداني يواجه آثار الحرب الثقيلة، ويعيش دائرة من الفقر والتشرد وفقدان الاستقرار، في ظل شعور متزايد بإهمال كثير من حقوقه الأساسية بعد الحرب، والمتمثلة في:
– تحقيق العدالة، وإنصاف الضحايا، و محاسبة كل من تورط في الانتهاكات التي شملت القتل، والتشريد، والتجويع، والنهب وتدمير الممتلكات، وفق ما وثقته تقارير وشهادات متعددة.
– إضافة إلى تعويض المتضررين عما فقدوه،
والعمل على بناء منظومة عدالة انتقالية تحفظ كرامة الإنسان السوداني وتمنع تكرار المأساة.

وفي المقابل، نرى عبر بعض الوسائط الإعلامية والسياسية حالة من الترحيب أو التسويات مع بعض الأطراف المرتبطة بالصراع، دون وضوح كافٍ حول مسارات العدالة والمحاسبة، الأمر الذي يترك شعورًا عميقًا لدى المواطن بأن حقوقه ليست أولوية في معادلة ما بعد الحرب.
وهنا يشعر المواطن أحيانًا بأن الدولة السودانية أصبحت ساحة لتوازنات القوى السياسية والعسكرية والحزبية، بينما يظل المواطن البسيط الحلقة الأضعف، يدفع وحده ثمن الحرب والانقسام والأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
إن بناء السودان بعد الحرب لا يبدأ بإعادة إعمار الطرق والمباني فقط، بل يبدأ أولًا بإعمار الإنسان السوداني نفسيًا، واجتماعيًا واقتصاديًا، وإعادة ثقته في العدالة والدولة والقانون. فالدولة التي لا يشعر فيها المواطن بقيمته وكرامته وعدالة حقوقه، تظل مهددة في استقرارها ومستقبلها مهما امتلكت من موارد أو رفعت من شعارات.
كما أن تحقيق المصالحة الوطنية الحقيقية لا يمكن أن يتم دون عدالة، ولا يمكن بناء سلام مستدام في ظل غياب المحاسبة أو الإفلات من العقاب. فالقانون العادل هو الضامن الحقيقي لوحدة الدولة وحماية المجتمع من تكرار دورات العنف والانهيار.
إن إعادة بناء السودان بعد الحرب تحتاج إلى رؤية وطنية جامعة، تتجاوز الخلافات السياسية والحزبية الضيقة نحو أفق أوسع، يقوم على بناء وطن يسع الجميع، تُحترم فيه كرامة الإنسان، وتُقدَّم فيه المصلحة الوطنية على المصالح الفردية والحزبية.
وحسب التجارب الإقليمية والعالمية للدول التي تعافت من آثار الحرب أو الصراعات الداخلية ونهضت، مثل تجربة رواندا وجنوب أفريقيا، فإن العدالة الاجتماعية والعدالة الانتقالية شكّلتا حجر الأساس في عملية التعافي وإعادة بناء الدولة والمجتمع، حيث لم يكن السلام مجرد توقف للصراع، بل عملية شاملة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وتعويض الضحايا، وإعادة دمج المتضررين في المجتمع بصورة تحفظ الكرامة الإنسانية وتمنع تكرار العنف مستقبلاً.
وفي ضوء ذلك، فإن المواطن السوداني يظل هو محور معادلة ما بعد الحرب، وبدونه لا يمكن الحديث عن سلام حقيقي أو دولة مستقرة، بل عن إعادة إنتاج للأزمات بصيغ مختلفة.

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | السودان… سلامٌ تتنازعه العواصم إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *