في ظل المشهد السوداني الراهن، وبينما تلوح في الأفق بوادر انتهاء الحرب وعودة المواطنين تدريجيًا إلى المدن، يظهر سؤال من الأهمية بمكان لماذا يواصل الجنيه السوداني انهياره أمام العملات الأجنبية رغم تلك المؤشرات الإيجابية؟) وهل هذا التدهور طبيعي في سياق ما بعد الحرب، أم أنه يعكس أزمة أعمق تتجاوز الظرف الأمني؟؟
ويمكن أن يقرأ هذا من خلال التشخيص و التحليل التالي:
أولًا: معطيات الواقع السوداني بعد الحرب:
2. حركة العودة الطوعية: مع بداية استقرار بعض المدن والولايات، يشهد السودان حراكا اجتماعيا نحو العودة، لكن العودة وحدها لا تعني تلقائيا عودة النشاط الاقتصادي.
3. غياب الثقة في المؤسسات: حتى مع استقرار نسبي، لا تزال المؤسسات المالية والمصرفية تعاني ضعفًا هيكليًا وفقدانًا لثقة الجمهور بطريقة مستمرة.
4. تآكل احتياطيات النقد الأجنبي: الحرب استنزفت ما تبقى من احتياطات النقد الأجنبي عبر توقف الصادرات والإيرادات العامة خاصة من الذهب والصمغ العربي والتحويلات.
5. ارتفاع الطلب على العملات الأجنبية: مع العودة، زادت حاجة المواطنين لتحويل مدخراتهم من الخارج إلى الداخل، لكنها تتحول غالبا عبر السوق الموازي، مما يفاقم الضغط على الجنيه.
ثانيًا: الأسباب الهيكلية لانهيار الجنيه:
1. سياسة نقدية مشلولة: بنك السودان المركزي شبه معطل عن إدارة السياسة النقدية بفاعلية. لا توجد أدوات تدخل حقيقية لضبط السوق.
2. هيمنة السوق الموازي: أكثر من 80% من تداول العملات يتم خارج القنوات الرسمية، خاصة في ظل ضعف الرقابة الأمنية والمؤسسية بعد الحرب.
3. العجز المالي الهائل: الحكومة السودانية تعتمد على التمويل بالعجز عبر طباعة النقود، ما يرفع الكتلة النقدية دون تغطية حقيقية.
4. انكماش الإنتاج: ضعف القطاعات الإنتاجية (الزراعية، الصناعية) يعني أن السودان بات مستوردًا لمعظم احتياجاته بالعملة الصعبة.
ثالثًا: كيف نقرأ هذا الوضع علميًا و عمليًا؟
1. منظور اقتصادي كلي: استمرار تدهور الجنيه ليس مؤشرا فقط على خلل نقدي، بل يعكس هشاشة الاقتصاد الكلي، وضعف بيئة الأعمال، وانعدام السيولة الأجنبية.
2. قواعد ما بعد الصراع: في كل الاقتصادات الخارجة من الحرب، يمر سعر الصرف بمرحلة تصحيح قاسية نتيجة لتراكم اختلالات ما قبل وأثناء الحرب. لكن في حالة السودان، هذا التصحيح يتفاقم بسبب غياب رؤية متكاملة لإعادة الإعمار وإصلاح المالية العامة.
3. تأثير عودة المواطنين: عودة الناس ترفع الطلب على الخدمات والسلع، ومع محدودية العرض، يزيد التضخم، مما يضغط على الجنيه بشكل مزدوج(من ناحية سعر الصرف ومن ناحية الأسعار المحلية).
رابعًا: ماذا يعني ذلك عمليًا؟
لن يستقر الجنيه بمجرد انتهاء الحرب، الاستقرار النقدي يحتاج إلى أكثر من وقف إطلاق النار حيث يحتاج إلى:
1. إعادة هيكلة المنظومة المالية بجذب تحويلات واستثمارات خارجية عبر قنوات رسمية مع ضبط العجز المالي وإيقاف التمويل بالعجز.
2. إعادة بناء الثقة أولا: سواء عبر حكومة وحدة وطنية أو سلطة انتقالية، يجب استعادة الثقة الشعبية والمؤسسية، وهي أهم شرط لتطبيع الوضع النقدي.
خامسًا: الخلاصة التشخيصية:
1. الجنيه السوداني يعاني انهياراً مركباً: يجمع بين نتائج الحرب، والعجز المؤسسي، والتضخم النقدي، وانكماش الإنتاج.
2. مؤشرات الانفراج الأمني غير كافية وحدها: أي قراءة موضوعية تفرض الربط بين الأمن والاقتصاد والمؤسسات.
3. يكمن الحل في حزمة سياسات متزامنة: تشمل إصلاح المالية العامة، إعادة بناء القطاع المصرفي، تحرير سعر الصرف بشكل مدروس مع برنامج دولي لدعم الاستقرار.
(فهل نحن موقنون بذلك)

