Popular Now

منشورات د. أحمد المفتي .. دور الكيانات الدينية ، والقبلية ، والادارات الاهلية ، في سودان الغد

مسارات .. بين الجوار والصراع: قراءة في مقولة د. محمد مختار الشنقيطي عن إيران وإسرائيل .. بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

من قصص كليلة ودمنه : في دهـاقنة الديوان ولطف الوزيرة .. د. محمد حسن فضل الله

من 15 أبريل 2023 إلى 15 يوليو 2025 .. بقلم/ زهيرعبدالله مساعد

امتدت 822 يومًا حملت في طياتها حربًا شعواء، نزوحًا قاسيًا، تضحيات جليلة، وخيبات أمل لا تنتهي…

كانت أيامًا مثقلة بالتأمل والتفكير، جعلتني أتلعثم أمام الكتابة، وأشعر بالعجز عن التعبير. مرت الأوقات كجنازاتٍ متكررة لا رحمة فيها. نقلب صفحات الماضي المثقلة بأسماء الموتى، من أبطال صنعوا التاريخ إلى شهداء تركوا لنا إرثًا من شموخ، ومن الأحباء والأصدقاء الذين غادروا إلى الأبد، تاركين بصماتهم في كل زاوية من الوطن. في كل مكان، تجد قصة فقدٍ تحمل عبق الموت وذكريات تسجل دماء طاهرة روت أرض الوطن.

لم تكن مجرد حرب بمعناها التقليدي؛ بل كانت طاحونة غرست أنيابها في أحلام شعب وسحقت أحلامهم، مبعثرة إياها في رياح النسيان. شهد الجنود مجد التضحية بأرواحهم، وضع المعلمون جانبًا أقلامهم يومًا بعد يوم وقدمت الأمهات أبناءهن وكأنهن يقدّمن قلوبهن للنفي بلا عودة.

ومع كل ذلك الألم، كان هناك حياة من نوع آخر تُخلق. كل يوم يولد فيه وجع جديد في قلب أم تهيم وسط النزوح فقط لتطعم أطفالًا يصارعون القسوة، بينما يعود الأب كل ليلة بعينين تحملان دموع المهانة لخبزٍ يابس وكبرياء ملطخ. أما الأطفال، فقد جُردوا من طفولتهم وحقهم في اللعب والمدارس؛ كبروا على أصوات الرصاص وقسوة الأزمات وعلى السؤال المؤلم الذي يلاحقهم: متى نعود؟

المجتمع الدولي كان حاضرًا فقط بالصمت النافذ من وراء نوافذ موصدة. استخدمت مفردات التنديد في البيانات المتكررة كثيرًا، وشُغلت مؤتمرات خاوية لم تُحرك ساكنًا. أما الوعود فقد تبددت كظلال الضوء في عيون الجياع. لم تصل أي قافلة للسلام ولا حلّقت طائرات حاملة للأمل، ولم تظهر نوايا العدالة كما كنا نرجو. الدم الذي غطى الأرض لم يكن قادرًا على إيقاظ الضمائر الخامدة. وحين كان العدو يزداد جنونًا ويرتكب المجازر كان صمت العالم يصبح أكثر برودة.

التضحيات هنا تجاوزت كل الحدود؛ ضحّى السكان بيوتهم وأمانهم ومستقبلهم وحتى ذكرياتهم التي لا تعوّض. ضحوا بسنوات تُعتبر أساس الحياة من تعليم وعمل واستقرار… فقط ليحافظوا على كرامتهم المهددة.
ومقابل هذا العطاء الكبير، واجه الشعب جدارًا صلبًا من الخذلان الموجع، خذلان من المجتمع الدولي من المنظمات والإعلام والإنسانية.

822 يومًا حافلة بالتضحيات التي لا تُقدر والخسائر التي لا تُحصى والخيانة التي يصعب مسامحتها، ولكن رغم كل شيء ما زال الشعب صامدًا على أرضه. ينهض من بين الركام، يجتهد لترميم ما تبقى من حياة، يمسك بجراحه المثقلة وينتظر الأمل بابتسامة حزينة دون أن يفقد تماسكه. فالوطن بالنسبة له لا يعرف الموت.

المقالة السابقة

أصل القضية …حين تُنهب الذاكرة… وتسقط الدولة مرتين .. يقلم/ محمدأحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء العرب

المقالة التالية

وجه الحقيقة … الحقائب الغائبة.. والدولة المؤجلة! .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *