Popular Now

منشورات د. أحمد المفتي .. دور الكيانات الدينية ، والقبلية ، والادارات الاهلية ، في سودان الغد

مسارات .. بين الجوار والصراع: قراءة في مقولة د. محمد مختار الشنقيطي عن إيران وإسرائيل .. بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

من قصص كليلة ودمنه : في دهـاقنة الديوان ولطف الوزيرة .. د. محمد حسن فضل الله

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. التعبئة العامة …حين تعيد الأمة تعريف نفسها .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر / باحث في العلاقات الدولية – مركز الخبراء للدراسات الإنمائية

في لحظاتٍ كالتي يعيشها السودان اليوم، لا تعود الأحداث مجرد وقائع عابرة، بل تتحول إلى مرايا كاشفة لعمق الدولة، لصلابة المجتمع، وللجدل الصامت بين القيادة والجماهير. الدعوة إلى التعبئة العامة، التي تجددت بعد أحداث الفاشر الأخيرة — تلك الفاجعة التي ارتجّ لها ضمير العالم، قبل أن تنكسر لها قلوب السودانيين — ليست مجرد نداءٍ عابر للسلاح، بل نداء للوعي، اختبار لإرادة شعب، ومحطة مفصلية في معركة وجود تُراد لها أن تُختزل في “صراع داخلي”، بينما هي في الحقيقة صراع على هوية الدولة ذاتها.
لكن ماذا نقرأ من هذه الدعوة المتجددة؟
وهل هي امتداد طبيعي لتعبئة بدأت منذ أبريل ٢٠٢٣م؟
أم هي مقدمة لقرار استراتيجي كبير قادم، يحتاج إلى رفع منسوب الثقة والاصطفاف الوطني حتى يكون وقعه على الأرض وعلى العالم محكمًا؟
قبل أن ندلف للإجابة عن الأسئلة عاليه ، ننبه إلى أن هذا المقال يقرأ التعبئة العامة كتحول إستراتيجي يتجاوز السلاح إلى إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع…

١. حين تعيد الجيوش تعريف الدولة المتغيرة

في كتابه “الجندي والدولة المتغيرة”، يشرح زولتان باراني كيف تتحرك الجيوش في لحظات التحول الوطني: ليست كقوة مسلحة فحسب، بل كرافعة لإعادة تشكيل الدولة، وضابط لإيقاع المجتمع، وحاملٍ لشرعية السردية الوطنية حين تتعرض البلاد لتهديد وجودي.
وفق هذا المنظور، تبدو دعوة التعبئة العامة اليوم ليست مجرد إجراء دفاعي، بل إعادة ضبط للمعادلة الوطنية:
● تثبيت معادلة الثقة.
● تأكيد مركزية الجيش.
● إعادة إدخال المجتمع في معادلة الدفاع المشترك.
■ إنها لحظة تتقاطع فيها الجغرافيا مع الشرعية… والمؤسسة العسكرية مع الوعي الجمعي.

٢. الجماهير حين تصبح قدرًا سياسيًا

في كتاب “الجماهير والسلطة”، يذهب إلياس كانتي إلى أن الجماهير لا تتحرك اعتباطًا، بل حين تدرك أن خطرًا يهدد هويتها الوجودية. تصبح “الكتلة الجماهيرية” – كما يسميها – كائنًا جديدًا من القوة، يحمل روحًا واحدة وإرادة واحدة وذاكرة واحدة.
ومن هذا المنظور، فإن دعوة التعبئة ليست استدعاءً للجماهير من أجل القتال فحسب، بل استنهاضٌ لجوهر الأمة:
● جماهير متألمة بعد الفاشر.
● جماهير واعية بمحاولات تفكيك الدولة.
●جماهير تدرك أن الخصم الحقيقي ليس الجيش… بل المشروع الهادف لسلخها من دولتها.
■ إن اللحظة ليست “معركة عسكرية”، بل معركة بين سردية الدولة وسردية الفوضى.
وهنا يصبح الاصطفاف ليس خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية.

٣. العقل الاجتماعي: كيف تُخاض حرب الوعي؟

في كتاب “العقل الاجتماعي” لجين سويلين لافيل، تتضح قيمة “الهندسة الإدراكية” في لحظات الأزمات. فالمعارك الحديثة لا تُخاض بالسلاح وحده، بل بصناعة الصورة الذهنية، بإدارة الخوف، ببناء الثقة، وبإعادة تشكيل إدراك المجتمع لماهيته ودوره.
وهنا يكمن أخطر ما في حرب السودان اليوم:
> إنها حرب على عقل الشعب قبل أن تكون حربًا على أرضه.
حربٌ تهدف إلى:
● فصل الشعب عن جيشه.
● ضرب الثقة في مؤسسات الدولة.
● صناعة فجوة نفسية تُهزم بها الأمة قبل أن تُهزم في الميدان.
من هذا المنظور، تبدو التعبئة العامة آلية مضادة لحرب الوعي، وليست مجرد تعبئة عسكرية.
هي محاولة لإعادة صياغة الوعي الجمعي باتجاه:
> “نقف معًا… أو نسقط معا”

في منطق الأمن القومي، تأتي التعبئة العامة كآلية لحماية الدولة حين ترتقي التهديدات إلى مستوى الوجود، فتتحول من خيارٍ عسكري إلى واجب وطني شامل.

٤. رؤية الجسر والمورد: تعبئة تُهيّئ لقرار كبير؟

وفق مقاربة الجسر والمورد — التي ترى أن الدولة لا تنجو بالقوة وحدها، بل ببناء الجسور مع المجتمع وحماية مواردها المعنوية قبل المادية — يمكن قراءة التعبئة العامة بوصفها:
■ مرحلة تمهيدية لقرار استراتيجي قادم.
قد يكون:
● إعادة هيكلة كبرى.
● إعلان مسار سياسي جديد.
● حسم في ملفات استراتيجية طال انتظارها.
● أو انتقال من “إدارة الحرب” إلى “إعادة تعريف الدولة”.
لكن أيًا كان القرار المرتقب، فإن القيادة لا يمكن أن تقدم عليه دون:
● رفع منسوب الثقة.
● إعادة بناء الوعي القومي.
● توحيد الجبهة الداخلية.
● وتجفيف مساحات الشك وتوسيع مساحات الاصطفاف.
ولذلك جاءت التعبئة هذه المرة أكثر عمقًا… أكثر رمزية… أكثر التصاقًا بروح الأمة.

٥. ما بين الجماهير والجيش… من يستهدف السودان؟

الاستهداف الحقيقي اليوم — كما تكشفه محاور حرب الوعي — ليس للجيش بوصفه مؤسسة، بل للشعب بوصفه حاملًا للدولة.
يراد للسوداني أن يفقد بوصلته… أن ينسى أن العدو هو من هدم المدن وشرّد الملايين… لا من حمى الخرطوم والجزيرة وسنار وشمال كردفان والقضارف ومدن السودان الأخرى.
أن الشعب يهرب وينزح من المناطق التي يوجد فيها الدعم السريع إلى مناطق تواجد الجيش السوداني؛ بالتالي فإن محاولة زرع الشك بين الشعب والجيش ليست تكتيكًا طارئًا، بل استراتيجية ممنهجة.
ما يرسخ أن الالتفاف حول القيادة اليوم ليس دعمًا لشخص… بل دفاعًا عن الدولة كفكرة، وعن السودان كوجود، وعن الوعي الوطني كمنظومة.

٦. حين تتقدم الأمة على جراحها

السودان اليوم لا يقاتل من أجل أرضه فقط… بل من أجل ذاكرته.
لا يقاتل ليمنع سقوط مدينة… بل ليمنع سقوط دولة.
لا ينهض بالتعبئة العامة ليُعدّ الرجال للسلاح… بل ليُعدّ الوعي للنهضة.
إن اللحظة التاريخية التي نعيشها ليست لحظة خوف… بل لحظة إعادة ميلاد.
ولذلك، فإن دعوة التعبئة العامة ليست مجرد استجابة لحدث… بل رسالة كبرى تقول:
> “نحن هنا…وسنظل هنا…ولن يُكسر هذا الوطن ما دام وعيه قائمًا وجيشه واقفًا وشعبه ثابتًا.”

#أصل_القضية،،،
عبر باراني… نفهم دور الجيش في لحظات التحول.
وعبر كانتي… نفهم ديناميكية الجماهير حين تدرك الخطر.
وعبر سويلين لافيل… نفهم كيف تُدار حرب الوعي.
وعبر الجسر والمورد… نفهم أن لحظتنا ليست لحظة رد فعل، بل لحظة إعادة صياغة وطن.
إن الالتفاف حول القيادة اليوم ليس موقفًا سياسيًا بل خيارًا وطنيًا…
والتعبئة العامة ليست مجرد استعداد عسكري، بل إعلان لمرحلة جديدة من الوعي السوداني فترقبوها.

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | السودان: خرائط النفوذ واستحقاقات السلام ..بقلم/ إبراهيم شقلاوي

المقالة التالية

النظرية التي أصبحت واقع .. بيرنارد لويس و صمويل هنتغتون و السودان .. بقلم/ بكري يوسف البُر

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *