{فَلَا تَهِنُوا۟ وَتَدۡعُوۤا۟ إِلَى ٱلسَّلۡمِ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمۡ وَلَن یَتِرَكُمۡ أَعۡمَـٰلَكُمۡ}
من الأقوال الرقيعة التي تنُم عن الضحالة ما يتردَّد من أن السياسة هي فن الممكن، عِلماً بأن الممكن لا يحتاج تخصُّصاً ولا تمهُّراً ولا كهانة، ولكن السياسة هي فن صناعة البدائل لتحقيق الأهداف، وعند بداية الحرب واحتدام لوثة الاضطراب لدى الكثيرين وتواتر الهُدَن التي استثمرها الجنجويد في الاستمكان .. أسهب العارفون في تفصيل أن الحروب لا تنتهي بالتعادل مثل مباريات كرة القدم، وأن أي تفاوضٍ فيها لابد أن يقع بعد انتصار طرفٍ وهزيمة آخر، وأنك لن تستطيع فرض النصر في تفاوضٍ يحتفظ فيه العدو بثلث أراض البلاد ويحتجز سكانها رهائن ، فهذا تفاوضٌ تحت ابتزازٍ لن يفضي إلا إلى تسويةٍ يرضاها العدو ويتجرعها الشعب، والرسالة التي ينشط البعض في إقناع الناس بها اليوم بضرورة التفاوض والتسوية مفادها:
١. الجيش السوداني والقوات المشتركة والبراؤون وقوات كيكل والمقاومة الشعبية وغيرهم .. لا طاقة لهم بآل دقلو وجنودهم، فهم أضعف من قوات طالبان ومن مقاتلي حماس ومن أنصار الله.
٢. الجنجويد أقوى من أمريكا وإسرائيل وكل حلفائهما.
٣. الدعم اللوجستي وخطوط الإمداد المتوفرة للجنجويد تفوق بكثير تلك التي توفرت لأمريكا في أفغانستان أو لجيش الكيان في غزة.
٤. إن حكمة القيادة وحُسن إدارتها للدولة وألمعية قيادتها للحرب تقتضي أن يكون الشعب -مهما بلغت حجم مفاجأته أو خيبة أمله- آخر من يعلم وأول من يشكر.
في نوفمبر ١٤٩١م وقع عبدالله الصغير وثيقة استسلام غرناطة التي شملت ثمانين بنداً تضمن كل حقوق المسلمين في الأندلس ، واشترط لتوقيع هذه الوثيقة أن يُقسِم الفونسو و إيزابيلا وأمراؤهم وقادتهم على الوفاء بها ، وأن تُرسل إلى بابا الفاتيكان فيُقسِم هو كذلك على الوفاء بها ، وما هو إلا أن قام المسلمون بتسليم أسلحتهم كما قضت الوثيقة .. حتى نكث القوم ، وأصدر البابا فتوى أباحت لهم جميعاً الحنث في القسم ونقض الاتفاق والتنكيل بالمسلمين ومحاكم التفتيش وما تعلمون ، وقد ظلَّ هذا هو منهجهم منذ عصر بني قينقاع وحتى وعود اتفاق السلام الشامل (نيفاشا) الذي فصل ثلث السودان وأشعل التمرد في دارفور ولم يجلب سلاماً حتى اليوم ، ولكن عباقرة اليوم يرون بأنهم قادرون على أن يأتوا بما لم تستطعه الأوائل.
إن الرِّهان على أن دارفور لا يمكن أن تنفصل بدعوى أن الصراع الدارفوري-الدارفوري ليس له من عاصمٍ إلا سودانٌ مُوَحَّد .. هو ذات الرِّهان الذي ضارب عليه الذين حَملوا وِزْر انفصال الجنوب من قبل ، والغباء هو التكرار المتطابق وانتظار نتيجة مختلفة ، وكل الخشية أن يختلط الغباء بالمكر الاستراتيجي وقلة الحيلة، فالتحدِّي القائم ليس هو انفصال دارفور، وإنما ذوبان السودان أرضاً وشعباً ، وكل الخشية أن يأتي يومٌ يفهم فيه شعب الله المُحتار -بعد فوات الأوان- أن لا سودان بلا دارفور، فلا زال بعضهم لم يُدرِكوا أن لا سلام ولا استقرار بلا الجنوب.
اللهم تقبل منا فجراً نعتذر إليك فيه مما يصنع هؤلاء ، ونبرأ إليك فيه مما جاء به أولئك ، اللهم لا تفجعنا في بلادنا بسوء أفعالنا، ودبِّر أمورنا فلطالما ساء تدبيرنا ، وهب اللهم مُسيئنا إلى مُحسِننا، ولا تؤاخذ المستضعفين منا بما يفعل المستكبرون ، اللهم إنه لا حول ولا قوة لنا إلا بك، فلا تكِل بلادنا وأهلنا إلى غيرك طرفة عين.


