يمثل قطاع النقل أحد أعمدة الاقتصاد السوداني و الذي يعد وهو الرابط الأساسي بين مناطق الإنتاج والاستهلاك والوسيلة الرئيسة لحركة التجارة الخارجية والداخلية ، غير أن هذا القطاع يعاني من تراجع واضح في الأداء نتيجة الاختلالات البنيوية وضعف في البنية التحتية وتحديات إدارية وتنظيمية وتأثيرات مباشرة للحرب والنزاعات الممتدة، حيث يحتاج السودان إلى معالجة واقعية تعتمد على إصلاح تشريعي وإداري واستثماري يعيد لهذا القطاع دوره التنموي.
الواقع التشخيصي لقطاع النقل في السودان
سوف نستعرض هنا عناصر النقل في السودان و المتمثلة في:
1. النقل البري: يعتمد السودان بصورة شبه كاملة على النقل البري في حركة البضائع والركاب، إلا أن الطرق القومية تعاني من تآكل واسع وغياب الصيانة الوقائية أو العلاجية التي تتسبب في ضعف السلامة المرورية، و أيضًا تسببت الحرب الأخيرة في تعطيل شبكات الطرق وتدمير أجزاء حساسة منها ما أدى إلى ارتفاع تكلفة النقل بنسبة كبيرة وانخفاض كفاءة الإمداد.
2. النقل الجوي: تراجع النقل الجوي التجاري نتيجة ضعف الأسطول وتدهور البنية التحتية وتوقف عدد من المطارات في الولايات، إنما يقتصر النشاط الجوي الحالي على رحلات محدودة ما أفقد السودان دوره في الربط الجوي الإقليمي.
3. النقل النهري: على الرغم من توفر نهر النيل وروافده، يظل النقل النهري أقل القطاعات استخداما في السودان ويعود ذلك إلى محدودية الاستثمارات وغياب أسطول نهري تجاري فعال وافتقار للبنية الداعمة مثل المراسي والمخازن و ورش الصيانة و البناء.
4. النقل البحري (المكون الأكثر حساسية وحسمًا): حيث يشكل النقل البحري مركز الثقل في قطاع النقل السوداني نظرا لاعتماد أكثر من 90% من التجارة الخارجية عليه، ويتركز النشاط البحري في موانئ بورتسودان وسواكن. ومع ذلك يعاني الفرع من:
– ضعف القدرة الاستيعابية للموانئ.
– بطء في إجراءات التخليص.
– نقص المعدات الحديثة للمناولة و الخدمات الأخرى .
– تراجع في مؤشرات الكفاءة مقارنة بالموانئ الإقليمية.
– تأثير الحرب على الثقة التجارية وحركة البضائع العابرة.
– ارتفاع تكاليف الموانئ السودانية مع الهدر في الزمن الطويل لفترات الانتظار.
– سيطرة بعض الفئات على حركة الموانئ.
التحديات العامة التي تواجه قطاع النقل:
1. التحديات الهيكلية:
– تدهور البنية التحتية نتيجة غياب الصيانة والاستثمارات.
– ضعف شبكات الربط بين الولايات والمناطق الإنتاجية.
– عدم وجود استراتيجية وطنية موحدة للنقل متعدد الوسائط.
2. التحديات الإدارية والتنظيمية:
– تعدد الجهات المنظمة للقطاع وغياب التنسيق بينها.
– تضارب الصلاحيات بين الإدارات الاتحادية والولائية.
– غياب نظم الإدارة الحديثة والحوكمة في الموانئ والطرق.
3. التحديات الاقتصادية:
– ارتفاع تكلفة التشغيل بسبب التضخم وارتفاع أسعار الوقود.
– ضعف مشاركة القطاع الخاص في الاستثمار طويل الأجل.
– محدودية التمويل الخارجي بسبب عدم الاستقرار السياسي.
4. التحديات الأمنية والجيوسياسية:
– تأثير الحرب على الطرق والموانئ والمطارات.
– تراجع الثقة في البيئة الاستثمارية.
– اضطرابات البحر الأحمر وتأثيرها على الملاحة الإقليمية.
تحديات النقل البحري (تفصيل محوري):
تواجه الموانئ السودانية تحديات أكثر تعقيدا من باقي قطاعات النقل منها:
1. نقص المعدات و الرافعات الحديثة ما يزيد من زمن المناولة.
2. غياب الأنظمة الذكية في إدارة الموانئ وتعطل التحول الرقمي.
3. بطء الحركة الجمركية مما يطيل زمن بقاء الحاويات.
4. ضعف الخطوط البحرية المنتظمة المتعاملة مع السودان.
5. منافسة قوية من موانئ البحر الأحمر الحديثة في المنطقة.
وتؤدي هذه التحديات إلى ارتفاع تكلفة التجارة وتراجع تنافسية الصادرات وزيادة زمن تخليص الواردات بما يصل إلى ثلاثة أضعاف المتوسط الإقليمي.
مقترحات الحلول العاجلة ومتوسطة وبعيدة المدى:
1. حلول عاجلة:
– تنفيذ برنامج إسعافي لصيانة الطرق القومية خاصة طرق التجارة ونقل الإمدادات.
– تحسين إجراءات التخليص داخل الموانئ عبر الرقمنة الجزئية وتقليل الخطوات الإدارية.
– إعادة تنظيم إدارة النقل البري من خلال ضبط التعرفة وتطوير محطات العبور والخدمات.
– تحسين بيئة التشغيل البحري عبر توفير الكهرباء المستقرة وتبسيط إجراءات الدخول والخروج.
2. حلول متوسطة المدى :
– تحديث مرافق الموانئ البحرية عبر شراكات استثمارية مع شركات تشغيل دولية بضوابط تحافظ على السيادة الوطنية.
– إعادة هيكلة هيئة الموانئ البحرية وفق معايير الحوكمة والاستقلالية التشغيلية.
– تطوير نظام نقل متعدد الوسائط يعتمد على دمج البري و البحري و السككي والنهري.
– إحياء النقل النهري لإسناد سلاسل النقل الداخلي وتخفيف الضغط على الطرق.
– توسيع مناطق المناولة في بورتسودان وسواكن ورفع الطاقة الاستيعابية للحاويات.
3. حلول بعيدة المدى:
– إنشاء ميناء بحري جديد بطاقة استيعابية عالية.
– ربط الموانئ بالسكة حديد بشكل فعال لتقليل تكلفة النقل الداخلي.
– تحويل السودان إلى مركز لوجستي إقليمي لتجارة دول الجوار غير الساحلية.
– اعتماد الموانئ الذكية باستخدام أنظمة التتبع والتحليل والرقمنة الشاملة.
متطلبات النجاح الحالية و المستقبلية
لضمان تنفيذ الإصلاحات المقترحة يتطلب الأمر:
1. استقرار إداري يضمن ديمومة السياسات بعيدًا عن التقلبات السياسية.
2. تحسين البيئة الاستثمارية لجذب الشركاء الدوليين.
3. تطوير الكوادر الفنية والإدارية عبر التدريب المهني المستمر.
4. اعتماد نظام موحد لإدارة قطاع النقل يشمل تنسيقا دقيقا بين الجهات المختصة.
وفي نهاية الأمر نخلص إلى أن قطاع النقل في السودان يعاني من اختلالات واضحة لكن تطويره ليس مستحيلا، فالسودان يملك مقومات طبيعية وجغرافية تجعل منه مركزا لوجستيا مهما في الإقليم إذا توفر التخطيط السليم والاستثمارات المستدامة ، وتطبيق الحلول المقترحة يمكن أن يحول القطاع من عبء اقتصادي إلى محفز للنمو ويعيد ربط البلاد بسلاسل الإمداد الإقليمية والدولية بصورة فعالة ومنخفضة التكلفة عبر سياسات و تشريعات و خطط مدروسة و مراقبة في التنفيذ و فوق كل ذلك إرادة حقيقة تحقق النجاح و النمو .


