مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع تقف البلاد على مفترق طرق مصيري، ففي الوقت الذي تشن فيه القوات المسلحة السودانية هجوم ساحق للموجة النهائية، يتصاعد منسوب الانهيار الداخلي في صفوف ميليشيا الدعم السريع، ومع ذلك لم تستسلم هذه الميليشيا والقوى الداعمة لها، بل حولت موائد الإعلام إلى ساحات حرب نفسية قذرة تعتمد على خطاب الكراهية و التخوين ونشر الأكاذيب وفي هذا المقال محاولة قراءة تشخيصية دقيقة لهذه اللحظة التاريخية واستشراف مسار الصراع في أروقة السياسة وميادين القتال.
أولًا: إعادة بناء الرمح … استعدادات القوات المسلحة للموجة النهائية:
على الصعيد العملياتي العسكري نجحت قيادة القوات المسلحة في تغيير قواعد الاشتباك عبر سلسلة من القرارات الحاسمة التي اتخذت في أبريل 2026 حيث شهدت تغيرات واسعة لقيادة الجيش التي قامت بتثبيت اركان الدولة حينها و لكن الدور الان يأتي لقيادات أخرى لإنهاء الحرب و التخلص الكامل من مليشيا الدعم السريع و ذلك ظهر جليا في تعيين الفريق أول ركن ياسر العطا ، وهو قائد عرف بصلابته وحنكته القتالية وهو الآن على رأس هيئة أركان جديدة أعيد تشكيلها بالكامل. هذه التغييرات لم تكن تبديل للأشخاص غير أنها أعادت ترتيب هيكل العمليات العسكرية الداخلية لتوحيد الرؤية حول هدف واحد محدد وهو طرد الميليشيا وتطهير الوطن من هذه القذراة. على مستوى الميدان لم تعد الانتصارات بيانات صحفية أو كلمات لرفع الروح المعنوية انما جاءت بنتائج حقيقية، ففي إقليم النيل الأزرق استطاع الجيش فرض سيطرته الكاملة على بلدة (مقجة) الإستراتيجية في معارك طاحنة كبدت الخصم خسائر فادحة وهذا نجاح كبير في كسر شوكة المليشيات وقطع طرق إمدادها الحيوية وفتح الطريق لتحرير المزيد من المناطق في الشرق، كما تمكنت القوات المسلحة و القوات المساندة الأخرى من كسر حصار خانق استمر سنوات طويلة على مدينة كادوقلي مؤكد تفوقه في مختلف الجبهات وإصراره على تحرير كل شبر من التراب الوطني.
ثانيًا: انهيار من الداخل…مقتل الخصوم وانضمام القادة:
بالتوازي مع الضربات العسكرية المباشرة يشهد التنظيم الداخلي للميليشيا أزمة بنيوية حادة تتجلى في مقتل صفها القيادي الأول وشلل قيادة ميدانية ملحوظ حيث تكشف التقارير أن قائد الميليشيا حميدتي يدير العمليات عن بعد عبر الهاتف مما يفاقم من عزلة قواته.
لكن أخطر مظاهر الانهيار تتمثل في تدفق الانشقاقات و الانضمامات الجماعية إذ انضم قادة كبار بثقلهم العسكري إلى القوات المسلحة، وتعتبر هذه صفعة قوية لهيكل الميليشيا حيث أعلن اللواء النور القبة أحد مؤسسي قوات الدعم السريع وقائد معارك الفاشر، انشقاقه وانضمامه إلى الجيش السوداني ليحظى باستقبال شخصي من رئيس مجلس السيادة و القائد العام، استشعارًا بالخطر حكمت محاكم الميليشيا غير العادلة و المزعومة عليه بالإعدام غيابيا وهي خطوة تعكس مدى اليأس والتيه الذي تعيشه القيادة، لم يتوقف الأمر عند القائد (قبة)، تلاه انشقاق القائد الميداني المخضرم (السافنا) وقواته في تأكيد على أن جسد الميليشيا يتآكل من الداخل يوما بعد يوم.
ثالثًا: الهيجان السياسي…الحرب النفسية و ماكينات الكراهية و التخوين:
المشهد العسكري المشرق قابلته حالة من الهستيريا والانهيار في الأوساط السياسية الداعمة للميليشيا، أمام الإخفاقات المتتالية حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى بؤر لتسميم الوعي الجمعي و بدأت تستخدم شبكات الحسابات الوهمية لنشر شائعات الانهيار والتخوين وإعادة تدوير خطاب الكراهية العرقي والقبلي لتمرير أجندة انفصالية، حيث تسعى هذه الآلة الإعلامية المسمومة لتحقيق أهداف رئيسية تتمثل في ( بث اليأس بين المواطنين، تشويه سمعة القوات المسلحة وإضعاف الروح المعنوية، محاولة خلق شرخ بين الجيش والداخل) وأخيرًا تقديم صورة زائفة للميليشيا على أنها المدافع عن فئات اجتماعية بعينها في محاولة فاشلة لتجنيد الدعم الجماهيري.
رابعًا: السيناريوهات المحتملة…بين الحسم القريب والسيناريوهات البديلة:
انطلاقا من المعطيات السابقة يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الصراع:
1. السيناريو الأول (الأكثر ترجيحًا) : الحسم العسكري التدريجي في 2026: بناء على الديناميكية الميدانية الحالية تتجه الأمور بقوة نحو حسم عسكري تدريجي قبل نهاية العام الجاري وهذا السيناريو مدعوم بعوامل أساسية:
– نجاح القوات المسلحة و القوات المساندة و الدبلوماسية السودانية في قطع خطوط الإمداد الخارجية للميليشيا عبر تشاد وليبيا إضافة إلى تفعيل العقوبات الدولية ضد داعميها والتي تجسدت مؤخرًا في فرض واشنطن عقوبات على شركات تجنيد مرتزقة كولومبيين لصالح الميليشيا وفرض الأمم المتحدة عقوبات على القيادي (علي حمدان دقلو) شقيق حميدتي.
2. السيناريو الثاني (البديل الاستراتيجي) سيناريو الصومال وتمدد الفوضى: في حال فشل القوات المسلحة في إنهاء البؤر المتبقية للميليشيا بالكامل قد تتحول الحرب إلى حرب استنزاف طويلة الأمد تشبه النموذج الصومالي حين تتحول الميليشيا إلى كيانات متمردة متناثرة تعتمد على الابتزاز الاقتصادي عبر السيطرة على مناجم الذهب في دارفور لتمويل عملياتها وتغذي حالة من انعدام الأمن والنهب والإرهاب، فهذا السيناريو سيحول السودان إلى دولة فاشلة تعيش على وقع صراعات إقليمية.
3. السيناريو الثالث: مصير المتمردين بين الاستسلام والاضمحلال: في النهاية لا مستقبل لمشروع عسكري يفتقر إلى الشرعية والقضية الوطنية، فالقيادات المتبقية أمام خيارين لا ثالث لهما
– الأول: الانشقاق الجماعي والذهاب إلى طاولة الحل السياسي وهو ما ينادي به رئيس الوزراء كامل إدريس وعرضه بالاستسلام الكامل وإدخال العناصر إلى مخيمات إعادة تأهيل.
– الثاني: فهو التمترس في المناطق الجبلية الوعرة لخوض حرب عصابات، وهو مصير مؤلم سينتهي لا محالة باضمحلالهم تدريجيًا وانطفاء جذوة التمرد.
ونخلص بالقول بأن السودان اليوم أمام فرصة تاريخية مع استعداد القوات المسلحة للموجة الحاسمة وانهيار مليشيا الدعم السريع حيث أصبح الموسم مناسبًا للحصاد النهائي، ومع ذلك يجب ألا يغفل صناع القرار خطورة الأسلحة الناعمة التي تستخدمها الميليشيات في ساحات التواصل الاجتماعي، فالوعي المجتمعي واليقظة الإعلامية هما خط الدفاع الثاني الذي سيضمن أن درب الانتصار لن يعكره سم الحرب النفسي، سيبقى السودان صامدًا بعزيمة جنوده وصلابة شعبه وعازمين على طرد كل خائن وعميل فالنصر حليف الصادقين وزوال المليشيا والمرتزقة ليس سؤال (إذا) ، إنما سؤال (متى) و إنه القريب بإذن الله.


