في إطار ما اصطلح عليه المفكر عبد الوهاب المسيري بـ”الاستنارة المظلمة”، حيث تُستدعى شعارات العقلانية والحرية لتبرير الهيمنة وإعادة إنتاج السيطرة، يمكن قراءة كثير من التحركات الدولية المعاصرة بوصفها امتداداً لنمط تاريخي يعيد تشكيل ذاته بأدوات جديدة. فالاستنارة، في هذا السياق، لا تأتي بوصفها تحرراً خالصاً، بل قد تتحول إلى أداة لإضفاء الشرعية على تدخلات تعيد إنتاج التبعية في صور أكثر تعقيداً.
و تمثلًا لذلك فقد انعقد في الخامس عشر من أبريل لهذا العام في دولة ألمانيا وبمدينة برلين مؤتمر عن السودان، قيل إنه يهدف لوقف الحرب التي شنتها الدول الغربية عبر دولة الإمارات وحلفائها المحليين من مليشيا الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال ومجموعات قحت بأسمائها الجديدة حتى صمود وتحالف تأسيس. وحتى لا يلتبس علينا الأمر، فإن الأصول العميقة لهذا المؤتمر نجدها موثقة في ثنايا التاريخ المكتوب والشفوي لشعوب العالم وأفريقيا وأهل السودان. وفي ذلك سرديات أليمة عانت منها أجيال وأجيال من أهل أفريقيا، وما زالت تدفع ثمن تلك الأحداث الجسام، ولا غرابة في ذلك.
فقد حدثنا تاريخ القارة السمراء عن معاناة عبر قرون طويلة من تجارب الأوروبيين وما اقترفوه من تجارة الرقيق، بدءاً من القرن الخامس عشر، فقد جاء الأوروبيون من مغامرين ومكتشفين ومنصّرين، ثم تدفقت أعدادهم كتجار رقيق لاصطياد الأفارقة. سرقوا واغتصبوا واصطادوا الملايين من الأفارقة، وقد قال الزعيم الغاني (كوامي نكروما) إن عدد الأفارقة الذين تم اصطيادهم كعبيد قُدِّر بحوالي مائة مليون، وكانوا جميعهم من الشباب. نتج عن تلك التجارة تدمير الهيكل السكاني لأفريقيا بعد نقل أعداد منهم إلى العالم الجديد: أمريكا وأوروبا، ودخول الشعوب الأفريقية المتبقية في القارة في حالة فوضى واحتراب بسبب سياسات وعمليات تجارة الرقيق.
ساهمت تجارة الرقيق، التي بدأت في القرن الخامس عشر واستمرت أربعمائة سنة، في إفراغ أفريقيا من قواها المنتجة من الشباب الذين قُذف بهم لبناء الإمبراطوريات وإنتاج الثروات في أوروبا، والتي فجّرت الثورة الصناعية. وفي الوقت نفسه، حطمت تجارة الرقيق تقارب الفجوة الحضارية بين ممالك أفريقية قامت قبل القرن الخامس عشر والمجتمعات الأوروبية في مجال التنمية والتقدم والحضارة. فقد كانت هناك مملكة غانا القديمة، ومملكة مالي التي ضمت مدينة تمبكتو، العاصمة الثقافية والفكرية، وجامعتها الإسلامية التي كانت تضاهي الجامعات الأوروبية بل تفوقها في بعض المجالات. كل هذا الإرث الأفريقي والميراث الحضاري قد تحطم وتلاشى بعد تجارة الرقيق التي مارسها الرجل الأبيض.
عانت أفريقيا في المرحلة الثانية من حقب تجربتها مع الاستعمار الأوروبي من الاستلاب والأسر الثقافي، أو ما يعرف بـ”ربيكاتيف” كما سماها المؤرخ البريطاني بازيل ديفيدسون، ويقصد بهم الأفارقة الذين نهلوا وتعلموا من الثقافة الأوروبية ثم عادوا إلى بلادهم وهم غرباء عن أهلهم، وأصبحوا عبيداً للثقافة والفكر الأوروبي. ويقول بازل إنهم “أفريقيون بحسب أصلهم، لكنهم انفصلوا تماماً عن أفريقيا وعاشوا تجربة اغتراب فكري وثقافي لا تصلح لواقع أفريقيا”. وقد ترتب على هذه التجربة أن هؤلاء اعتبروا أنفسهم ورثة الحكم الأوروبي الاستعماري الذي جثم على صدر القارة السمراء عقوداً طويلة من الزمن المظلم.
وقد ترتب على هذا الاغتراب انقسام النخب في دول القارة بين متمسك بتقاليد أفريقيا وقيمها، وبين مجموعة مؤمنة بأفكار وثقافة الغرب. وقد نتج عن كل ذلك تعميق الخلافات الإثنية والقبلية، بسبب أن بعض الجماعات الأفريقية قد ناصرت تجارة الرقيق، وقد تولد تبعاً لذلك إحساس بالشك والريبة والحذر والعداء والخوف، مما شكل أصلاً عميقاً للخلافات والنزاعات داخل الدول الأفريقية التي نراها اليوم.
وعلى الرغم من كل ما ذُكر، فإن الدول الغربية عقدت في الفترة من نوفمبر 1884 إلى فبراير 1885 مؤتمر برلين بمشاركة بريطانيا وألمانيا وفرنسا والمجر وهولندا وإسبانيا والسويد والولايات المتحدة الأمريكية، بهدف مناقشة حرية التجارة والملاحة في حوض نهر الكونغو وتنظيم استعمار أفريقيا. جاء المؤتمر على خلفية الصراعات بين دول أوروبا على مناطق النفوذ في أفريقيا، والتكالب من التجار والمغامرين الأوروبيين على مناطق الموارد الخام والمعادن، ومن أجل فتح أسواق جديدة للسلع والمنتجات الأوروبية.
وهكذا اتفقت أوروبا على احتلال أي منطقة في أفريقيا دون وجود ممثلين لأصحاب الحق من أفريقيا، وقد وضع المؤتمر أسس الاستعمار الأوروبي وتقسيم القارة السمراء إلى وحدات جغرافية شكلت أسس وعناصر الدول الأفريقية الحديثة، وهي ذات الأسس التي وضعها تجار الرقيق الأوروبيون وقيادة الكنائس الغربية والمغامرون الذين جاءوا بليل لسرقة خيرات أفريقيا وتحطيم ميراثها الثقافي.
صنع الاستعمار الأوروبي الحدود بين دول القارة صناعة، وأصبحت لا علاقة لها بالحواجز والفواصل بين السكان، ولا علاقة لها بالأنشطة الاقتصادية التي يمارسها الأفارقة. وقد ترتب على صناعة الحدود أن ضمت بعض الدول الأفريقية مجموعات سكانية وتركيبات إثنية وسلالات بشرية مختلفة لا تجمعها سوى الدولة المصنوعة من قبل الاستعمار الأوروبي. ومن أخطر نتائج ذلك فصل جماعات إثنية متجانسة ومتوافقة ثقافياً واجتماعياً، وترتب على ذلك صعوبات عظيمة في بناء الدول عقب نيل دول أفريقيا استقلالها.
ما ذكرناه هو غيض من فيض من العوامل المتداخلة والمترابطة، والتي تجد أصلها العميق في ظاهرة الاستعمار، الذي وجد أساسه وانطلاقته الأولى في مدينة برلين بألمانيا في القرن التاسع عشر، وهي ذات المدينة التي أُقيم فيها في الخامس عشر من أبريل 2026 مؤتمر عن السودان ناقش الوضع الإنساني ووقف إطلاق النار وبحث سبل السلام. وقد شهد المؤتمر مقاطعة الحكومة السودانية، وحضور جماعات تأسيس وصمود ومليشيا الدعم السريع، والذين ينطبق عليهم القول “وجوه سوداء بقلوب بيضاء” (ونقصد بالقلوب البيضاء السير في خط الرجل الأبيض، لا بياض القلب بالمعنى الإيجابي).
نختم أنه من خلال هذا السرد، فإن التاريخ والجغرافيا عنصران جاذبان لفهم ظاهرة تتكرر ولكن على نحو غير خطي، ولعل في حالة السودان شاهد يقف مثالاً لا حصراً. إذ إنه بمجرد أن أتى عبد الله حمدوك رئيساً للوزراء عقب إسقاط الحكومة في العام 2019، وبعد فترة قصيرة كتب خطاباً للأمين العام للأمم المتحدة يطلب فيه بعثة للمساعدة في الانتقال الديمقراطي تحت البند السادس من ميثاق الأمم المتحدة. وقد استجابت الأمم المتحدة وأرسلت فولكر بيرتس رئيساً لبعثة يونيتامس، وهو ألماني الجنسية.
ومن المثير للاهتمام أن مسودة الخطاب الذي أرسله حمدوك كتبها السفير البريطاني والسفير الألماني بالخرطوم آنذاك، والملفت للنظر أن فولكر وسفراء الدول الغربية في الخرطوم كانوا هم حملة قلم الاتفاق الإطاري الذي تبنته المليشيا والجماعات الموالية لها. ومنذ ذلك التبني وحتى اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023، تحاول هذه المجموعات عقد مؤتمرات تختار لها ذات التاريخ لتعقد في أوروبا، فقد كان المؤتمر الأول في باريس، والثاني في لندن والثالث في برلين.
انظر كيف يعيد التاريخ نفسه بمعادلة لا خطية.


