Popular Now

وجه الحقيقة | تجميد الأحزاب… أم تجميد الفشل ؟ .. إبراهيم شقلاوي

سلسلة مقالات: الحرب على السودان (33) | الحرب من السماء: المسيّرات و استهداف الأعيان المدنية وتشابك الأدوار الإقليمية في تعميق الأزمة السودانية

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6045 | العدالة الانتقالية تسد قصور العدالة الجنائية التقليدية

سلسلة مقالات: الحرب على السودان (33) | الحرب من السماء: المسيّرات و استهداف الأعيان المدنية وتشابك الأدوار الإقليمية في تعميق الأزمة السودانية

مقدمة تحليلية
تشهد الحرب في السودان تحولاً نوعياً في أدواتها ووسائلها، حيث انتقلت بعض الأطراف – بعد تعثرها ميدانياً – إلى استخدام سلاح الطائرات المسيّرة كأداة لتعويض الفشل العسكري على الأرض. هذا التحول لم يقتصر على البعد العسكري، بل امتد ليطال الأعيان المدنية والبنية التحتية، مما يعكس تغيراً في طبيعة الصراع من مواجهة تقليدية إلى حرب استنزاف شاملة تستهدف الدولة والمجتمع معاً.
أولاً: فشل ميداني يقود إلى التصعيد الجوي
تشير المعطيات الميدانية إلى أن قوات الدعم السريع، بعد سلسلة من التراجعات والانشقاقات، اتجهت إلى تكثيف استخدام المسيّرات كبديل تكتيكي.
هذا التحول يعكس:
فقدان القدرة على الحسم البري
— تراجع السيطرة على خطوط الإمداد
— تآكل القوة البشرية نتيجة الانشقاقات والخسائر
وبالتالي، أصبح القصف عن بُعد خياراً لتعويض الخلل، لكنه في ذات الوقت يكشف أزمة بنيوية داخل هذه القوات.
ثانياً: استهداف الأعيان المدنية… تحوّل خطير في طبيعة الحرب
الهجمات التي طالت منشآت مثل:
— مصانع السكر (كنانة، سنار، الجنيد)
— البنية التحتية (الكهرباء، المياه، الجسور)
المؤسسات التعليمية والخدمية
تطرح سؤالاً محورياً:
هل هذه الأهداف عسكرية أم أن هناك سياسة ممنهجة لتدمير الدولة؟
التحليل الاستراتيجي يشير إلى أن:
هذه المنشآت لا تمثل أهدافاً عسكرية مباشرة و استهدافها يؤدي إلى شل الاقتصاد الوطني، يفاقم الأزمة الإنسانية ويزيد من معاناة المواطنين.
وبذلك، يمكن قراءة هذا النمط كجزء من حرب تدمير شامل للبنية الوطنية وليس مجرد عمليات عسكرية تقليدية.
ثالثاً: النهب المنهجي وتفكيك الدولة من الداخل
لم يقتصر التأثير على القصف، بل امتد إلى:
— نهب الممتلكات العامة والخاصة
— تفكيك المؤسسات الإنتاجية
— تدمير القطاعات الحيوية
هذا السلوك يعكس:
— غياب المشروع السياسي
— تحوّل الصراع إلى اقتصاد حرب قائم على النهب
— فقدان السيطرة المركزية داخل التشكيلات المسلحة
وهو ما يقود إلى نتيجة واضحة:
تفريغ الدولة من مضمونها الاقتصادي والخدمي.
رابعاً: البعد الإقليمي… إثيوبيا ومسارات التداخل
تتزايد المؤشرات حول استخدام أراضٍ مجاورة، خاصة إثيوبيا، كنقاط انطلاق لبعض العمليات الجوية.
هذا المعطى – إن صح – يحمل دلالات خطيرة:
— تدويل غير مباشر للصراع.
— إدخال السودان في معادلات إقليمية معقدة.
—تهديد الأمن الحدودي. والاستقرار الإقليمي.
كما أن التطورات في إثيوبيا نفسها (توترات داخلية ومشاريع مائية كبرى) تجعلها لاعباً حساساً في المشهد، ما يفتح الباب أمام تقاطعات مصالح قد تؤثر على مسار الحرب في السودان.
خامساً: شبهة التآمر الدولي ودور الفاعلين الإقليميين
في سياق التحليل الأوسع، تبرز اتهامات متزايدة بوجود دعم خارجي لقوات الدعم السريع، خاصة فيما يتعلق:
— بالإمداد اللوجستي
— التسليح
— الدعم السياسي والإعلامي
وتشير بعض التقارير إلى دور محتمل لجهات إقليمية، من بينها الإمارات العربية المتحدة، في هذا الإطار.
هذا الطرح – بغض النظر عن مدى دقته – يعكس:
— شعوراً متزايداً بوجود صراع بالوكالة
— اتساع دائرة الحرب لتتجاوز الداخل السوداني
— تعقيد فرص الحل السياسي
سادساً: “تأسيس” واستهداف الدولة… مشروع بديل أم تفكيك ممنهج؟
يطرح سلوك ما يُعرف بـ”تحالف تأسيس” تساؤلات جوهرية حول:
— طبيعة المشروع السياسي
— حدود المسؤولية عن العمليات العسكرية
— العلاقة بين الخطاب السياسي والممارسة الميدانية
فاستهداف الأعيان المدنية ،إذا ثبت ارتباطه بهذا التحالف، يعني:
— انتقال الصراع من التنافس السياسي إلى تقويض الدولة.
— غياب الرؤية لبناء بديل وطني.
— تعزيز حالة الفوضى والانقسام.
سابعاً: التداعيات الاستراتيجية على مستقبل السودان
تؤدي هذه التحولات مجتمعة إلى:
— إطالة أمد الحرب
تعميق الأزمة الإنسانية
— انهيار البنية الاقتصادية
— زيادة احتمالات التدخل الخارجي
— تهديد وحدة الدولة
وهو ما يضع السودان أمام مفترق طرق تاريخي بين:
إعادة بناء الدولة، أو الانزلاق نحو الفوضى الشاملة.

خاتمة
إن استخدام المسيّرات واستهداف الأعيان المدنية، مقروناً بالتداخلات الإقليمية، يعكس انتقال الحرب في السودان إلى مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة.
فلم تعد المواجهة مجرد صراع على السلطة، بل أصبحت معركة على بقاء الدولة نفسها.
وفي ظل هذه المعطيات، يصبح من الضروري:
— تعزيز التماسك الداخلي
— تحييد التدخلات الخارجية
— حماية البنية التحتية الوطنية
لأن استمرار هذا المسار يعني ببساطة:
تفكيك السودان من الداخل قبل أن يُهزم في الميدان.

د. الزمزمي بشير عبد المحمود
الباحث المختص في الشأن الأفريقي
البريد الإلكتروني:
bshair057@gmail.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6045 | العدالة الانتقالية تسد قصور العدالة الجنائية التقليدية

المقالة التالية

وجه الحقيقة | تجميد الأحزاب… أم تجميد الفشل ؟ .. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *