Popular Now

خطاب حميدتي ..جرعة الدعم النفسية .. قراءة من ضفة النهر الأخرى .. د. محمد حسن فضل الله

رسالة إلى رئيس الوزراء كامل إدريس: من هنا تبدأ استعادة الدولة السودانية .. د.احمد الطيب السماني

سلسلة الحرب على السودان .. المقال رقم (33) .. قراءة في خطاب حميدتي: بين خطاب التبرير وذاكرة الشعب السوداني .. إعداد: د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي

سلسلة الحرب على السودان .. المقال رقم (33) .. قراءة في خطاب حميدتي: بين خطاب التبرير وذاكرة الشعب السوداني .. إعداد: د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي

مقدمة
جاء الخطاب الأخير لقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” في توقيت بالغ الحساسية، بعد سلسلة من التراجعات العسكرية والانشقاقات الداخلية والضغوط الإقليمية والدولية المتزايدة على قواته وحلفائه. ولذلك لم يكن الخطاب مجرد حديث سياسي عابر، بل محاولة لإعادة التموضع النفسي والسياسي والإعلامي أمام قواعده الميدانية والرأي العام الداخلي والخارجي.
غير أن أزمة الخطاب الأساسية تكمن في التناقض الكبير بين ما يُقال عبر المنابر، وما يختزنه وجدان الشعب السوداني من وقائع موثقة عاشها بنفسه خلال سنوات الحرب، من دمار ونهب وتشريد واستهداف ممنهج للبنية التحتية ومؤسسات الدولة والمواطنين.
أولاً: حديث الذهب ومحاولة قلب الوقائع
تحدث حميدتي عن “سرقة” نحو سبعة أطنان من الذهب من بنك السودان، في محاولة واضحة لإعادة توجيه الاتهامات نحو القوات المسلحة. غير أن الشعب السوداني لا يحتاج إلى محاضرات حول من نهب البنوك أو من اقتحم المؤسسات أو من مارس السلب والشفشفة بصورة علنية وموثقة بالصوت والصورة.
لقد شاهد السودانيون بأعينهم عمليات اقتحام البنوك والأسواق والمنازل والمتاجر، كما وثقت وسائل الإعلام ومقاطع الفيديو حجم الفوضى التي صاحبت سيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة من الخرطوم ومدن أخرى.
والفارق الجوهري أن المؤسسة العسكرية السودانية، رغم ما يمكن أن يوجه لها من نقد سياسي أو إداري، ظلت مؤسسة دولة ذات هياكل وانضباط، وليست جماعات قائمة على اقتصاد الغنائم أو تجنيد معتادي الإجرام والمرتزقة القادمين من بيئات الصراعات العابرة للحدود.
كما أن أجهزة الدولة السودانية كانت قد أشارت مراراً إلى وجود عناصر ذات سوابق جنائية ضمن المجموعات المقاتلة، بعضها تم استقطابه من دول الجوار الأفريقي، الأمر الذي عمّق حالة الانفلات الأمني ووسّع دائرة الانتهاكات.
ثانياً: خطاب التعليم فوق أنقاض المدارس
من أكثر النقاط إثارة للدهشة في خطاب حميدتي حديثه عن “التعليم” وحرصه على مستقبل الطلاب، بينما يعرف السودانيون أن الحرب التي قادتها قواته كانت من أكبر الكوارث التي أصابت قطاع التعليم في تاريخ السودان الحديث.
فقد تعرضت المدارس والجامعات لعمليات نهب وتخريب واسعة، ولم تسلم حتى المعامل والأجهزة الطبية والمكتبات وقاعات الدراسة من التدمير والسرقة. بل إن بعض المؤسسات التعليمية تحولت إلى ثكنات عسكرية أو مخازن للسلاح، فيما نزح ملايين الطلاب وفقدوا سنوات دراسية كاملة.
أي تعليم يمكن الحديث عنه بعد سرقة المقاعد الدراسية والمعامل وحتى أسقف المدارس؟
وأي مستقبل أكاديمي يمكن بناؤه وسط الخراب الذي طال الجامعات والمراكز البحثية؟
إن أزمة الخطاب هنا ليست في اللغة فقط، بل في انفصاله الكامل عن الواقع الذي عاشه المواطن السوداني يومياً.
ثالثاً: أم درمان… عقدة الميدان والذاكرة العسكرية
حاول حميدتي الإيحاء بأن قواته باتت قريبة من السيطرة على أم درمان، غير أن الواقع الميداني والتاريخ القريب يحملان دلالات مختلفة تماماً.
فأم درمان لم تكن مجرد مدينة في مسار الحرب، بل تحولت إلى أحد أكبر ميادين الاستنزاف العسكري لقوات الدعم السريع، حيث واجهت مقاومة عنيفة من القوات المسلحة والقوات المشتركة والمقاومة الشعبية.
بل إن السؤال الأكبر الذي يطرحه الشارع السوداني اليوم ليس عن أم درمان، وإنما عن مصير المواقع التي ظلت قوات الدعم السريع تسيطر عليها لسنوات قبل أن تفقدها تباعاً، وعلى رأسها القصر الجمهوري ومناطق استراتيجية عديدة في الخرطوم.
ومن هنا فإن الخطاب بدا أقرب إلى محاولة لرفع الروح المعنوية داخل صفوف متآكلة، أكثر من كونه توصيفاً دقيقاً للواقع العسكري.
رابعاً: الشعب السوداني وحسم خيار الاصطفاف
أحد أهم التحولات التي أفرزتها الحرب يتمثل في انتقال قطاعات واسعة من المجتمع السوداني من حالة الحياد أو الترقب إلى حالة الاصطفاف الواضح خلف القوات المسلحة.
فقد دفعت الانتهاكات الواسعة وعمليات النهب والتشريد قطاعات كبيرة من الشباب إلى الانخراط في المقاومة الشعبية المسلحة، حتى أصبحت الحرب بالنسبة لكثيرين معركة وجود وهوية دولة، وليست مجرد صراع سياسي على السلطة.
ولهذا فإن التهديدات بإطالة أمد الحرب حتى عام 2040، كما ورد في الخطاب، لا تبدو رسالة قوة بقدر ما تعكس أزمة مشروع فقد قدرته على الحسم السريع، وتحول إلى حرب استنزاف طويلة مكلفة للجميع.
خامساً: الفاشر والجنينة ونيالا… معركة الزمن والتحولات
في الوقت الذي تحدث فيه حميدتي عن “الحل الجذري”، فإن الميدان يشهد تحولات متسارعة، سواء عبر الانشقاقات الداخلية أو تصاعد الضغوط الدولية أو إعادة ترتيب التحالفات المحلية.
وتشير مؤشرات عديدة إلى أن المعارك المقبلة في دارفور، خصوصاً في الفاشر والجنينة ونيالا والضعين، ستكون حاسمة في رسم مستقبل التوازنات العسكرية والسياسية.
كما أن تمدد القوات المشتركة والحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش أعاد تشكيل المشهد بصورة تختلف كثيراً عن بدايات الحرب.
سادساً: الثروة الحيوانية بين الخطاب والواقع
تحدث حميدتي عن تنظيم تصدير الماشية والمحاصيل، بينما يتذكر المواطنون جيداً ما جرى لقطعانهم ومزارعهم وأسواقهم خلال الحرب.
لقد فقد آلاف المواطنين مصادر رزقهم، وتعرضت أعداد كبيرة من الماشية للنهب أو الذبح العشوائي، حتى الأبقار التي كانت تُستخدم لإطعام الأطفال وإنتاج الألبان لم تسلم من الانتهاكات.
ولذلك فإن أي حديث اقتصادي يفقد تأثيره عندما يصطدم بذاكرة اجتماعية مثقلة بالخسائر والمعاناة.
سابعاً: عودة الحياة إلى المدن المحررة
رغم حجم الدمار الكبير، بدأت بعض المناطق التي استعادت الدولة السيطرة عليها تشهد عودة تدريجية للخدمات الأساسية، من كهرباء ومياه ومؤسسات صحية وتعليمية.
كما أن عودة المواطنين إلى أحيائهم ومدنهم أصبحت تمثل رسالة سياسية ومعنوية مهمة، تؤكد أن المجتمع السوداني، رغم الجراح، لا يزال متمسكاً بفكرة الدولة الوطنية ورافضاً لمشروعات التفكيك والفوضى.
خاتمة
إن خطاب حميدتي الأخير يكشف بوضوح حجم الأزمة التي تواجهها قوات الدعم السريع على المستويات العسكرية والسياسية والاجتماعية. فالمشكلة لم تعد فقط في خسارة المواقع أو القادة، وإنما في فقدان الثقة الشعبية وتآكل الحاضنة الاجتماعية وتراجع القدرة على تقديم مشروع سياسي مقنع.
لقد أثبتت الحرب أن الشعوب قد تصبر على الأزمات الاقتصادية والسياسية، لكنها لا تغفر بسهولة حين تُستهدف بيوتها ومدارسها ومستشفياتها ومصادر عيشها.
وفي النهاية، يبقى الرهان الحقيقي في السودان ليس على السلاح وحده، بل على قدرة الدولة والمجتمع معاً على إعادة بناء الثقة الوطنية واستعادة مؤسسات البلاد ومنع انزلاقها نحو التفكك والفوضى طويلة الأمد.

البريد الإلكتروني:
dr.alzamzami.research@proton.me

المقالة السابقة

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. عتبة البيروقراطية… لا عقبتها .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

المقالة التالية

رسالة إلى رئيس الوزراء كامل إدريس: من هنا تبدأ استعادة الدولة السودانية .. د.احمد الطيب السماني

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *