Popular Now

خطاب حميدتي ..جرعة الدعم النفسية .. قراءة من ضفة النهر الأخرى .. د. محمد حسن فضل الله

رسالة إلى رئيس الوزراء كامل إدريس: من هنا تبدأ استعادة الدولة السودانية .. د.احمد الطيب السماني

سلسلة الحرب على السودان .. المقال رقم (33) .. قراءة في خطاب حميدتي: بين خطاب التبرير وذاكرة الشعب السوداني .. إعداد: د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي

رسالة إلى رئيس الوزراء كامل إدريس: من هنا تبدأ استعادة الدولة السودانية .. د.احمد الطيب السماني

في اللحظات المفصلية من تاريخ الأمم، لا يكون التحدي الحقيقي هو مجرد إيقاف الحرب أو إدارة الأزمة الآنية، بل القدرة على إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة تضمن الاستقرار والكفاءة والعدالة والاستدامة. والسودان اليوم يقف أمام واحدة من أعقد هذه اللحظات التاريخية؛ إذ لا يمكن الحديث عن دولة حديثة دون خدمة مدنية قوية، مهنية، عادلة، ومحايدة.

السيد رئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل إدريس..

إن مسؤولية قيادة المرحلة القادمة ليست مسؤولية سياسية فحسب، بل هي مهمة وطنية لإعادة تأسيس الدولة السودانية من الداخل، وإصلاح ما تراكم عبر عقود طويلة من التشوهات الإدارية والاختلالات المؤسسية التي أثّرت بصورة مباشرة على الأداء الحكومي والخدمات العامة وثقة المواطن في مؤسسات الدولة.

ومن هذا المنطلق، أضع بين يديكم كتاب:
«إصلاح الخدمة المدنية في السودان»
الصادر عن دار جامعة الخرطوم للنشر عام 2017م، والذي لم يكن مجرد جهد أكاديمي نظري، بل خلاصة تجربة عملية ومعايشة مباشرة داخل مؤسسات الدولة، بحكم عملي أمينًا عامًا للمجلس القومي للتدريب، وتكليفي وكيلاً لوزارة العمل بالتفويض، إلى جانب سنوات من العمل الإداري والاستشاري والأكاديمي في مجالات الإدارة العامة والتنمية وبناء القدرات.

لقد تناول الكتاب أعطاب وعلل الخدمة المدنية السودانية بصورة علمية وميدانية، من خلال دراسة تطبيقية شملت عينة من وزارات القطاعات الثلاثة: السيادي، والاقتصادي، والخدمي، بهدف تشخيص مواطن الخلل البنيوي والإداري، وتحليل أسباب التراجع المؤسسي، وتقديم رؤى عملية للإصلاح الإداري وفق أسس علمية حديثة تراعي خصوصية السودان وتحدياته.

وقد خلصت الدراسة إلى أن كثيرًا من أزمات الدولة السودانية لم تكن ناتجة فقط عن الأزمات السياسية أو الاقتصادية، بل عن ضعف البناء المؤسسي، وتراجع الكفاءة المهنية، وغياب التخطيط الاستراتيجي، وتسييس الخدمة المدنية، وضعف التدريب والتأهيل، وغياب معايير العدالة والشفافية في إدارة الموارد البشرية.

إن إصلاح الخدمة المدنية ليس ترفاً وبَذَخًا إداريًا، بل هو المدخل الحقيقي لإصلاح الاقتصاد، وتحسين الخدمات، واستعادة هيبة الدولة، وتحقيق التنمية والاستقرار. فلا يمكن بناء دولة قوية بمؤسسات ضعيفة، ولا يمكن تحقيق نهضة وطنية بجهاز إداري مترهل أو فاقد للفاعلية.

ولإيماني بأهمية أن يكون الإصلاح مشروع دولة لا مشروع أفراد، فقد تم تخصيص خمسمائة نسخة من هذا الكتاب لمجلس الوزراء، أُودعت بمكتبته، بغرض إتاحتها لمؤسسات الدولة المختلفة، ولتصل إلى ولايات السودان كافة، دعمًا لمسار الإصلاح المؤسسي وبناء القدرات الوطنية.

ومن هنا تبرز أهمية أن يحظى هذا الكتاب بالاطلاع والدراسة من قبل السيد رئيس مجلس الوزراء، والسادة الوزراء، ووكلاء الوزارات، وقيادات الخدمة المدنية، وكل المعنيين بمشروع إعادة بناء الدولة السودانية؛ لما يتضمنه من تشخيص علمي دقيق، ورؤية عملية مستندة إلى التجربة الميدانية والمعرفة الأكاديمية، في واحدة من أكثر القضايا تأثيرًا على مستقبل السودان واستقراره المؤسسي.

السيد رئيس الوزراء..

إن المرحلة القادمة تحتاج إلى قرارات شجاعة، لكنها تحتاج أيضًا إلى مرجعيات علمية وتجارب عملية تساعد في صناعة القرار بصورة رشيدة. وإن أي مشروع لإعادة إعمار السودان دون إصلاح حقيقي للخدمة المدنية سيظل مشروعًا ناقصًا ومعرضًا للتعثر.

إن استعادة الدولة السودانية تبدأ من استعادة كفاءة مؤسساتها، واستعادة مؤسسات الدولة تبدأ من إصلاح الخدمة المدنية.

ولعل هذه الرسالة تمثل دعوة وطنية صادقة لأن يكون الإصلاح الإداري في مقدمة أولويات المرحلة القادمة، باعتباره حجر الأساس لأي تحول حقيقي ومستدام.

حفظ الله السودان وأهله، وأعان المخلصين على بناء وطن يسع الجميع.

المقالة السابقة

سلسلة الحرب على السودان .. المقال رقم (33) .. قراءة في خطاب حميدتي: بين خطاب التبرير وذاكرة الشعب السوداني .. إعداد: د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي

المقالة التالية

خطاب حميدتي ..جرعة الدعم النفسية .. قراءة من ضفة النهر الأخرى .. د. محمد حسن فضل الله

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *