عندما تتعاظم الأزمات تظهر حقيقة المواقف، وتسقط الأقنعة ويصبح الشعب أكثر قدرة على التمييز بين من يقف مع الوطن ومن يضع مصالحه السياسية فوق معاناة الناس وآلامهم. لذلك لم يعد السودانيون ينظرون إلى التصريحات المتأخرة بنفس الحماس القديم، لأن الواقع القاسي جعلهم شا حذرا وأقل ثقة في الوعود والمراجعات السياسية.
التسريبات التي تحدثت عن حالة الندم التي يعيشها الدكتور عبد الله حمدوك أعادت إلى الواجهة سؤالاً مهماً ماذا يفيد الاعتراف بالخطأ بعد أن يدفع الوطن الثمن؟ فبحسب ما تم تداوله فإن الرجل بات يشعر بأن بعض التحالفات والخيارات السياسية التي تم اتخاذها خلال الفترة الماضية كانت سببا في فقدان القوى المدنية لرصيدها الشعبي خاصة بعد اقترابها من المليشيات المسلحة وارتهانها لتحالفات خارجية لا تنظر إلى السودان إلا من زاوية المصالح والنفوذ ولسنوات كان كثير من السودانيين يرون في حمدوك رمزا للتهدئة والتوافق، لكن الحرب الأخيرة وما رافقها من مآسٍ غيرت كثيرًا من القناعات وأصبح المواطن البسيط يسأل بوضوح أين كانت هذه المراجعات عندما كانت البلاد تدخل في هذا النفق المظلم؟ الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الشعوب قد تصبر على الأخطاء لكنها لا تنسى المواقف التي تهدد أمنها واستقرارها لذلك فإن أي حديث عن الندم اليوم لن يكون كافيًا ما لم تصاحبه مراجعة حقيقية تعترف بأن السودان لا يدار من الخارج وأن أي مشروع سياسي لا ينطلق من مصلحة الوطن مصيره الفشل مهما وجد من دعم إقليمي أو دولي، كما أن هذه التسريبات كشفت حجم الأزمة داخل القوى المدنية نفسها حيث أصبحت الخلافات والانقسامات أكثر وضوحًا وفقدت بعض القيادات قدرتها على إقناع الشارع بأنها ما زالت تمثل تطلعات الناس وهمومهم الحقيقية، السودانيون اليوم لا يريدون خطابات جديدة بقدر ما يريدون مواقف واضحة تعيد الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية وتضع حدا لحالة الارتهان السياسي التي أضعفت البلاد وأدخلتها في صراعات أنهكت الجميع.
وأجلّ ما يمكن أن يقال في حاله حمدوك الراهنة بعد (إيه جاي تعتذر) لأنها صوت غضب يخرج من قلب شعب تعب من التجارب الفاشلة والتحالفات المتناقضة، فحين ينكسر الوطن لا يكون من السهل إصلاح ما أفسدته الحسابات الخاطئة ولا يكفي الندم وحده لإعادة الثقة التي ضاعت وفي النهاية سيبقى السودان أكبر من الأشخاص والأحزاب، ولن ينهض إلا بإرادة وطنية صادقة تؤمن بأن مصلحة البلاد فوق كل شيء.


