يقول الدبلوماسي والمفكر الأمريكي هنري كيسنجر إن “الجغرافيا تفرض على الدول حقائق لا يمكن الهروب منها”، بينما يرى عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان أن العالم الحديث يعيش حالة من “السيولة السياسية” التي تجعل الحدود أقل قدرة على إنهاء الأزمات التاريخية العميقة. أما المفكر الروسي ألكسندر دوغين فيذهب إلى أن الدول التي تنشأ في البيئات الجيوسياسية المضطربة تظل أسيرة معادلة الأمن والجغرافيا حتى بعد تغير الأنظمة والحدود.
وفي الحالة السودانية، بدت هذه الرؤى الفكرية حاضرة بقوة بعد انفصال جنوب السودان عام 2011. فقد ظن كثيرون آنذاك أن الانفصال سيمثل نهاية للحرب التاريخية بين الشمال والجنوب، وأن الدولتين ستبدآن مسارين منفصلين سياسياً وأمنياً واقتصادياً. غير أن السنوات التالية أثبتت أن الانفصال السياسي لم ينجح في إنهاء الترابط البنيوي العميق بين الخرطوم وجوبا، بل أعاد إنتاج العلاقة بصورة أكثر تعقيداً وهشاشة.
لقد وُلدت دولة جنوب السودان وسط احتفاء دولي واسع، باعتبارها “نهاية أطول حرب أهلية في أفريقيا”، غير أن الدولة الجديدة خرجت إلى الوجود وهي تحمل في داخلها تناقضات عميقة تتعلق ببنية السلطة والاقتصاد والهوية الوطنية. فالحركة الشعبية لتحرير السودان التي نجحت في خوض الحرب ضد الخرطوم لعقود طويلة، لم تتحول بسهولة إلى مؤسسة دولة قادرة على إدارة مجتمع متعدد القبائل والتوازنات.
ومنذ اللحظة الأولى ، واجهت جوبا تحديات ضخمة تمثلت في ضعف المؤسسات، وانعدام البنية التحتية، والاعتماد شبه الكامل على النفط، إضافة إلى الانقسامات القبلية والسياسية داخل النخبة الحاكمة نفسها و دخولها فى حرب اهلية بعد انقسامها علي نفسها.
وفي المقابل، دخل السودان بعد الانفصال مرحلة من الارتباك الاستراتيجي العميق. فقد خسر ما يقارب ثلاثة أرباع إنتاجه النفطي، وتعرض اقتصاده لهزة عنيفة، بينما تصاعدت التوترات في مناطق جنوب كردفان والنيل الأزرق وأبيي. وبذلك لم يكن الانفصال مجرد فقدان جغرافي، بل تحول إلى زلزال سياسي واقتصادي أعاد تشكيل الدولة السودانية من الداخل.
لكن المفارقة الكبرى تمثلت في أن النفط — وهو أحد أهم أسباب الصراع — أصبح أيضاً أحد أهم عوامل الترابط القسري بين الدولتين. فحقول النفط الأساسية تقع داخل جنوب السودان، بينما ظلت خطوط الأنابيب وموانئ التصدير تمر عبر الأراضي السودانية وصولاً إلى البحر الأحمر. وهكذا وجد الطرفان نفسيهما داخل معادلة معقدة: لا تستطيع جوبا تصدير نفطها دون الخرطوم، ولا يستطيع السودان تعويض بعض خسائره الاقتصادية دون رسوم عبور النفط الجنوبي.
ومنذ 2012 بدأت التوترات تتصاعد مجدداً بين الطرفين بسبب قضايا النفط والحدود والدعم المتبادل للحركات المسلحة. وكادت الأمور تنزلق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، خاصة بعد اشتباكات منطقة هجليج الحدودية. غير أن الطرفين أدركا سريعاً أن الحرب المباشرة ستكون كارثية على الدولتين معاً، في ظل هشاشة الوضع الاقتصادي والأمني.
وفي ديسمبر 2013 انفجرت الأزمة الداخلية في جنوب السودان بصورة دموية، بعد الصراع بين الرئيس سلفاكير ميارديت ونائبه السابق رياك مشار. وسرعان ما تحولت الخلافات السياسية إلى حرب أهلية ذات أبعاد قبلية، دخلت فيها البلاد في دوامة عنف واسعة النطاق.
وهنا برزت حقيقة استراتيجية مهمة: أن دولة جنوب السودان، رغم استقلالها السياسي، ما تزال شديدة التأثر بالبيئة السودانية والإقليمية المحيطة بها. فالحرب الأهلية الجنوبية انعكست مباشرة على السودان عبر موجات النزوح، وانتشار السلاح، وتداخل الجماعات المسلحة، بينما ظل النفط والممرات الحدودية عامل ضغط متبادل بين الطرفين.
كما أن الحدود الطويلة والهشة بين السودان وجنوب السودان تحولت إلى واحدة من أكثر المناطق تعقيداً في أفريقيا، ليس فقط بسبب النزاعات القبلية، وإنما أيضاً بسبب نشاط الحركات المسلحة وشبكات التهريب والهجرة غير النظامية. فالجغرافيا التي كانت في السابق فضاءً موحداً داخل دولة واحدة، أصبحت بعد الانفصال حدوداً سياسية يصعب ضبطها بالكامل.
وخلال تلك الفترة، دخلت قوى إقليمية ودولية متعددة على خط العلاقة بين الخرطوم وجوبا. فقد سعت أوغندا إلى تعزيز نفوذها داخل جنوب السودان لأسباب أمنية واقتصادية، بينما لعبت كينيا دوراً مهماً في الملف الاقتصادي والمصرفي. أما إثيوبيا فقد تعاملت مع العلاقة بين الدولتين من زاوية أمن القرن الأفريقي والتوازنات الإقليمية.
وفي السنوات الأخيرة دخلت قوى خليجية ودولية أخرى إلى المشهد، خاصة مع تصاعد التنافس على الموانئ والموارد الطبيعية وخطوط النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وهكذا لم تعد العلاقة بين السودان وجنوب السودان مجرد قضية ثنائية، بل أصبحت جزءاً من شبكة أوسع من الصراعات والمصالح الإقليمية والدولية.
ثم جاءت الحرب السودانية التي اندلعت في أبريل 2023 عقب تمرد قوات الدعم السريع علي القوات المسلحة السودانية لتفتح مرحلة جديدة من التعقيد الاستراتيجي. فقد وجدت جوبا نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية: فهي تعتمد اقتصادياً على استمرار تدفق النفط عبر السودان، لكنها في الوقت نفسه تخشى أن يؤدي استمرار الحرب في السودان إلى تهديد وجودي مباشر عليها.
وقد أثرت الحرب بصورة واضحة على صادرات النفط الجنوبية، كما أدت إلى اضطرابات اقتصادية وأمنية متزايدة داخل جنوب السودان. وظهرت مجدداً حقيقة أن أمن الخرطوم وجوبا ليس منفصلاً، بل مترابط بصورة تجعل أي انهيار كبير في إحدى الدولتين ينعكس مباشرة على الأخرى.
ومن منظور جيوبوليتيكي، فإن السودان وجنوب السودان يبدوان اليوم وكأنهما دولتان انفصلتا سياسياً، لكنهما ظلتا متصلتين استراتيجياً. فالتاريخ المشترك، والجغرافيا، والمياه، والنفط، والتداخل السكاني فى الحدود المشتركة والمصالح الاقتصادية، كلها عناصر تجعل فكرة القطيعة الكاملة أقرب إلى الوهم السياسي منها إلى الواقع العملي.
بل يمكن القول إن الانفصال نفسه لم ينهِ الأزمة، وإنما غيّر شكلها فقط. ففي السابق كانت المشكلة تتعلق بكيفية إدارة دولة واحدة متعددة الهويات، أما اليوم فأصبحت تتعلق بكيفية إدارة دولتين مترابطتين داخل بيئة إقليمية مضطربة.
وهنا تبرز المعضلة الكبرى: هل تستمر العلاقة بين الخرطوم وجوبا أسيرة الشكوك والصراعات الحدودية والتجاذبات الإقليمية، أم يتحول الإدراك المتبادل للمخاطر إلى مدخل لبناء شراكة استراتيجية جديدة؟
إن السنوات الممتدة من 2011 إلى 2026 كشفت بوضوح أن الجغرافيا أقوى من القرارات السياسية العابرة، وأن السودان وجنوب السودان، رغم الانفصال الرسمي، ما يزالان محكومين بمعادلة “الترابط القسري”. وهي معادلة قد تقود إلى مزيد من الفوضى إذا استمرت الحسابات الضيقة، لكنها قد تفتح أيضاً الباب أمام نموذج جديد من التعاون الإقليمي إذا نجحت النخب السياسية في تحويل المصالح المشتركة إلى مشروع استقرار طويل الأمد.
فالدول قد تنفصل بالسياسة، لكن الجغرافيا كثيراً ما تعيد وصل ما قطعته الحروب.
علاقة دولة جنوب السودان بالسودان: عتمة استراتيجية أم مستقبل مشرق؟ (3) .. ما بعد الانفصال: الترابط القسري بين الخرطوم وجوبا (2011–2026) .. د. إسماعيل الناير عثمان .. باحث استراتيجي .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية
المقالة السابقة

