Popular Now

جامعاتُنا وسباق العصر من تاريخ العلوم إلى علوم المستقبل ؟ .. بقلم د. أحمد الطيب السماني .. أستاذ جامعي

وجه الحقيقة | حكاية البابا.. بين كامل إدريس والترابي .. إبراهيم شقلاوي

أصل القضية | خدمة (إيصالي) الإلكترونية… هل انتصرت الدولة على الفساد وخسرت أمام الزمن؟ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

جامعاتُنا وسباق العصر من تاريخ العلوم إلى علوم المستقبل ؟ .. بقلم د. أحمد الطيب السماني .. أستاذ جامعي

في وقتٍ تتسابق فيه الأمم الكبرى لإعادة تشكيل جامعاتها بما يتوافق مع الثورة الصناعية الرابعة، والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، ما تزال بعض جامعاتنا السودانية تتحرك في الاتجاه المعاكس؛ إذ تُدرِّس “تاريخ العلوم” أكثر مما تُدرِّس “العلوم” نفسها، وتُعيد إنتاج مناهج تقليدية في زمنٍ أصبحت فيه المعرفة التطبيقية والتقنية هي لغة المستقبل ومفتاح القوة والتنمية.

لقد طالعت مؤخراً بالوسائط معلومة بالغة الدلالة عن التجربة الصينية الحديثة، مفادها أن الصين وجَّهت نحو 40% من طلاب جامعاتها إلى التخصصات الهندسية والتقنية، واستحدثت أكثر من 1900 تخصص جديد، مقابل إلغاء أكثر من 1650 تخصصاً تقليدياً لم تعد تلبي احتياجات العصر وسوق العمل العالمي.

ومن أبرز التخصصات التي تقود مستقبل العالم اليوم:
— هندسة الذكاء الاصطناعي
— الأمن السيبراني المتقدم
— الروبوتات الذكية
— الحوسبة الكمومية
— علوم الحياد الكربوني
— تكنولوجيا الطاقة الجديدة
— هندسة المعلومات الزمكانية
— هندسة المواد المتقدمة

هذا التحول ليس ترفاً أكاديمياً، بل رؤية استراتيجية لإعداد جيل يقود المستقبل بدلاً من أن يظل مستهلكاً له أو متأخراً عنه.

وفي المقابل، يبرز السؤال المؤلم:
أين تقف الجامعات السودانية من هذا التحول العالمي الهائل؟

إن الأزمة الحقيقية ليست فقط في ضعف الإمكانات أو ظروف البلاد المعروفة، وإنما في طبيعة الفلسفة التعليمية نفسها؛ فالكثير من المناهج ما تزال أسيرة الحفظ والتلقين والمعارف الوصفية القديمة، بينما العالم انتقل إلى الإنتاج المعرفي، والابتكار والتطبيقات الذكية، وربط التعليم بالاقتصاد العالمي.

إن تدريس “تاريخ العلوم” مهم لفهم تطور المعرفة الإنسانية، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن تدريس العلوم الحديثة نفسها، ولا عن إعداد الطالب للتعامل مع تقنيات المستقبل وأدواته. فالدول لا تُقاس اليوم بعدد الخريجين فقط، بل بنوعية المهارات التي يحملونها، ومدى قدرتهم على المنافسة عالمياً.

وللأسف، فإن استمرار هذا النهج التقليدي ينعكس مباشرة على:
— تراجع الجامعات السودانية في التصنيفات العالمية.
— ضعف البحث العلمي والإنتاج المعرفي.
— محدودية فرص توظيف الخريجين في المؤسسات والشركات الإقليمية والعالمية.
— اتساع الفجوة بين التعليم الجامعي ومتطلبات الاقتصاد الحديث.

ومع ذلك، فإن القضية لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها دعوة لإلغاء العلوم الإنسانية أو الفكرية أو الفلسفية؛ فهذه العلوم هي التي تصنع الوعي والقيم والهوية الوطنية وتُنمِّي التفكير النقدي. فالجامعات لم تُنشأ أصلاً لتخريج موظفين فقط، وإنما لبناء الإنسان الواعي القادر على فهم الحياة والمجتمع والحضارة.

لقد قامت الجامعات الكبرى عبر التاريخ — من الأزهر والقرويين إلى أوكسفورد وبولونيا — على فكرة بناء العقل الإنساني وتوسيع مداركه، لا مجرد سد وظائف السوق. لكن العالم الحديث أضاف بعداً جديداً لا يمكن تجاهله، وهو ربط التعليم بالتنمية الاقتصادية والتقنية ومتطلبات المستقبل.

ومن هنا، فإن الحكمة ليست في إلغاء البعد الإنساني للجامعة، ولا في الانغلاق داخل الماضي، وإنما في تحقيق التوازن الذكي بين:
العلوم الإنسانية والقيمية،
والعلوم التطبيقية والتقنية الحديثة.

إن السودان اليوم في أمسِّ الحاجة إلى ثورة تعليمية حقيقية تعيد صياغة فلسفة التعليم العالي وفق رؤية وطنية مستقبلية، تقوم على:
— تحديث المناهج بصورة جذرية.
— إدخال تخصصات الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والطاقة والتقنيات الحديثة.
— ربط الجامعات بالصناعة والاقتصاد والإنتاج.
— تطوير البحث العلمي والابتكار وريادة الأعمال.
— تعزيز اللغة الإنجليزية والمهارات الرقمية.
— الانتقال من التعليم النظري إلى التعليم القائم على حل المشكلات والإبداع.

وليس المطلوب أن تتحول الجامعات إلى معاهد تدريب مهني ضيقة، كما أن المطلوب أيضاً ألا تبقى مؤسسات معزولة عن حركة العالم والتطور العلمي والتقني.

فالجامعة الحقيقية هي التي تُخرِّج:
— مفكراً ومهندساً،
— باحثاً ومبتكراً،
— صاحب قيمة وصاحب مهارة،
—إنساناً يفهم مجتمعه ويستطيع في الوقت نفسه المنافسة عالمياً.

وقد أشار القرآن الكريم إلى مبدأ التخصص وتقسيم الأدوار المعرفية والمجتمعية بقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾.

فالآية تؤسس لفكرة التنوع الوظيفي والمعرفي داخل المجتمع؛ فكما تحتاج الأمة إلى من يتفقه في الدين، فهي تحتاج أيضاً إلى من يسد ثغرات الطب، والهندسة، والتقنية، والإدارة، والطاقة، والاقتصاد والأمن السيبراني وغيرها من علوم العصر.

إن معركة الأمم اليوم ليست فقط معركة موارد، بل معركة عقول ومعرفة وتقنية.
ومن لا يُنتج المعرفة سيظل تابعاً لمن يُنتجها.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مسؤول وأستاذ و ولي أمر وطالب:
هل نريد لجامعاتنا أن تدرّس الماضي فقط؟
أم نريد لها أن تصنع المستقبل؟

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | حكاية البابا.. بين كامل إدريس والترابي .. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *