Popular Now

سلسلة الحرب على السودان (34) | دول الجوار بين رهانات الدعم السريع والمصالح المهددة .. هل بدأت ارتدادات الحرب السودانية تضرب الإقليم بأكمله؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

علاقة دولة جنوب السودان بالسودان: عتمة استراتيجية أم مستقبل مشرق (4-4) .. د. إسماعيل الناير عثمان .. باحث استراتيجي .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية

سلسلة العمليات العسكرية والحوارات السياسية والمبادرات خلال شهرمايو 2024 (توثيق تاريخي ) .. البروفيسور علي عيسي عبدالرحمن

سلسلة الحرب على السودان (34) | دول الجوار بين رهانات الدعم السريع والمصالح المهددة .. هل بدأت ارتدادات الحرب السودانية تضرب الإقليم بأكمله؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

مقدمة
دخلت الحرب السودانية مرحلة جديدة تتجاوز حدود الصراع الداخلي التقليدي، بعد أن تحولت إلى أزمة إقليمية مفتوحة تتداخل فيها المصالح الدولية والطموحات الجيوسياسية والتحالفات المتغيرة في القرن الأفريقي. فبعد أكثر من ثلاثة أعوام من القتال، لم تعد تداعيات الحرب مقتصرة على السودان وحده، بل بدأت ترتد على دول الجوار التي راهنت – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – على مشروع قوات الدعم السريع وحلفائها الإقليميين.
وقد كشفت التطورات الأخيرة، سواء عبر الانهيارات الميدانية المتلاحقة لقوات الدعم السريع، أو عبر التوترات المتصاعدة في إثيوبيا وتشاد وجنوب السودان، أن مشروع الحرب الذي رُسم للسودان لم يكن معزولاً عن مخططات إعادة تشكيل الإقليم بأكمله، وفق ترتيبات تخدم مصالح قوى إقليمية ودولية تسعى للهيمنة على الموارد والموانئ وخطوط التجارة والنفوذ السياسي.
أولاً: تواصل انهيار قوات الدعم السريع وفقدان المشروع السياسي والعسكري
تشير الوقائع الميدانية إلى أن قوات الدعم السريع تعاني من حالة إنهاك استراتيجي متصاعد، بعد خسائرها العسكرية المتكررة في الخرطوم والجزيرة وسنار وكردفان، إضافة إلى تصاعد الانشقاقات الداخلية وفرار بعض القادة والعناصر.
فالحرب التي دخلتها هذه القوات تحت شعارات سياسية وعسكرية واسعة، تحولت تدريجياً إلى معارك استنزاف بلا أهداف واضحة أو مشروع قابل للحياة، خاصة بعد فقدان الحاضنة الشعبية داخل معظم مناطق السودان، نتيجة الانتهاكات الواسعة التي طالت المدنيين والبنية التحتية والمؤسسات العامة والخاصة.
كما أن الخطاب السياسي لقوات الدعم السريع أصبح يعاني من تناقضات كبيرة؛ فمن جهة تتحدث القيادة عن “مشروع دولة جديدة”، بينما تكشف الممارسات الميدانية عن حالة من الفوضى الأمنية والاقتصادية والاعتماد المتزايد على الدعم الخارجي والمرتزقة.
ثانياً: دول الجوار بين الإغراءات الإماراتية والتهديدات الأمنية
لا شك أن عدداً من دول الجوار الأفريقي وقع في فخ الحسابات الخاطئة حين تعامل مع الأزمة السودانية من زاوية المكاسب المالية أو الضغوط السياسية، دون النظر إلى المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى.
فبعض هذه الدول راهن على انتصار قوات الدعم السريع بدعم إماراتي واسع، سواء عبر فتح الحدود أو تسهيل الإمدادات أو غض الطرف عن تحركات المرتزقة والسلاح، غير أن التطورات الأخيرة بدأت تكشف أن ثمن هذا الرهان قد يكون باهظاً على أمن تلك الدول واستقرارها الداخلي.
لقد امتدت تداعيات الحرب بالفعل إلى الإقليم:
— تشاد تواجه ضغوطاً أمنية متزايدة على حدودها الشرقية.
— إثيوبيا تعيش حالة توتر داخلي وصراعات مسلحة متصاعدة.
— جنوب السودان يواجه هشاشة سياسية واقتصادية وأمنية معقدة.
— مناطق الساحل الأفريقي تشهد تمدداً لشبكات السلاح والتهريب والجريمة المنظمة.
وهكذا بدأت دائرة الفوضى التي انطلقت من دارفور تهدد كامل الإقليم، الأمر الذي يعكس خطورة تحويل السودان إلى ساحة حرب مفتوحة تخدم أجندات خارجية.
ثالثاً: إثيوبيا والحسابات المرتبكة في الملف السوداني
تبدو إثيوبيا من أكثر الدول التي تأثرت بالحرب السودانية، ليس فقط بسبب الحدود الطويلة والتداخل السكاني، بل أيضاً بسبب التقديرات السياسية الخاطئة التي تبنتها بعض دوائر الحكم في أديس أبابا.
فقد ربط رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، منذ بداية الأزمة، علاقاته مع السودان بمواقف قوى سياسية ومدنية معادية للمؤسسة العسكرية السودانية، مع ميل واضح نحو المحور الإماراتي، الأمر الذي أضعف الثقة بين الخرطوم وأديس أبابا.
ومع تصاعد الصراعات الداخلية الإثيوبية، خاصة في تيغراي، وأمهرة وأوروميا، أصبحت إثيوبيا نفسها تواجه خطر التفكك الداخلي، بينما تتزايد الاتهامات المتعلقة باستخدام أراضيها أو أجوائها في دعم عمليات عسكرية مرتبطة بالحرب السودانية، بما في ذلك ملف الطائرات المسيّرة.
كما أن الحديث عن أسر جنود إثيوبيين وتصاعد الاضطرابات الحدودية يعكس هشاشة الوضع الأمني داخل الدولة الإثيوبية، ويؤكد أن أي انزلاق إضافي قد يقود المنطقة إلى مرحلة أكثر تعقيداً.
رابعاً: الحرب العبثية ومستقبل القيادات الميدانية للدعم السريع
أصبحت معارك قوات الدعم السريع تبدو – في نظر كثير من المراقبين – معارك بلا أفق سياسي أو عسكري. فبعد سنوات من القتال، لم تحقق هذه القوات استقراراً في المناطق التي سيطرت عليها، ولم تتمكن من بناء مؤسسات أو إدارة مدنية قادرة على كسب ثقة المواطنين.
بل على العكس، ارتبط اسمها في الوعي الشعبي السوداني بعمليات النهب والانتهاكات والتدمير، وهو ما عمّق العزلة الداخلية والإقليمية لهذه القوات.
ومع تصاعد الضغوط الدولية والعقوبات والتحركات الدبلوماسية ضد شبكات التسليح والدعم الخارجي، يبدو أن مستقبل العديد من القيادات الميدانية بات مفتوحاً على احتمالات معقدة، تشمل:
— الانشقاقات الداخلية.
— الهروب إلى دول الجوار.
— الصراعات القبلية داخل الحواضن الاجتماعية.
— أو الملاحقات القانونية والسياسية مستقبلاً.
خامساً: السودان بين الصمود الوطني والتحولات الإقليمية
رغم ضخامة التحديات، أظهرت الدولة السودانية قدرة واضحة على الصمود وإعادة بناء مؤسساتها تدريجياً، مستفيدة من تماسك القوات المسلحة والقوات المشتركة والمقاومة الشعبية، إضافة إلى الدعم الشعبي الواسع لوحدة البلاد.
كما أن عودة النشاط الدبلوماسي وعودة بعض السفارات واستئناف الحركة في مطار الخرطوم تمثل مؤشرات على أن الدولة السودانية تحاول استعادة توازنها تدريجياً، رغم استمرار الاستهداف العسكري والإعلامي.
وفي المقابل، فإن القوى التي راهنت على تفكيك السودان بدأت تواجه واقعاً مختلفاً؛ فالسودان لم يسقط، والمؤسسة العسكرية لم تنهَر، كما أن المجتمع السوداني أظهر قدرة كبيرة على مقاومة مشاريع التقسيم والفوضى.

خاتمة
تكشف تطورات الحرب السودانية أن الرهانات القائمة على إضعاف الدولة الوطنية عبر المليشيات والسلاح الخارجي قد تتحول إلى تهديد مباشر للإقليم بأكمله. فالنيران التي اشتعلت في السودان بدأت بالفعل تلامس حدود دول الجوار، سياسياً وأمنياً واقتصادياً.
كما تؤكد التجربة أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يتحقق عبر مشاريع الوكالة أو التدخلات الخارجية، وإنما عبر بناء دولة وطنية مستقرة تقوم على المؤسسات والسيادة ووحدة الأرض والشعب.
ويبقى السؤال الأهم:
هل تستوعب دول الجوار الدرس قبل أن تتحول تداعيات الحرب السودانية إلى أزمة إقليمية شاملة يصعب احتواؤها؟

alzmazmibashir.research@gmail.com

المقالة السابقة

علاقة دولة جنوب السودان بالسودان: عتمة استراتيجية أم مستقبل مشرق (4-4) .. د. إسماعيل الناير عثمان .. باحث استراتيجي .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *