> السودان وجنوب السودان: من العتمة الاستراتيجية إلى شراكة الضرورة
يرى المفكر زبغنيو بريجنسكي أن أخطر الأزمات الجيوسياسية لا تنبع من الحروب وحدها، بل من الفراغات الاستراتيجية التي تسمح بتداخل الفوضى المحلية مع المصالح الدولية. بينما يقول المفكر الفرنسي ريمون آرون إن الدول قد تدخل الصراع بدافع الخوف أكثر من الطموح، خصوصاً عندما تعجز عن بناء توازن مستقر مع محيطها الجغرافي. أما هنري كيسنجر فقد أشار في أكثر من مناسبة إلى أن السلام الدائم لا يتحقق عبر إنهاء الحرب فقط، بل عبر بناء شبكة مصالح تجعل العودة إلى الصراع مكلفة للجميع.
وعلى أساس ذلك تبدو العلاقة بين السودان وجنوب السودان اليوم وكأنها تقف عند مفترق طرق تاريخي بالغ الحساسية. فبعد عقود من الحرب، والانفصال وعدم الثقة، دخل البلدان منذ عام 2023 مرحلة جديدة من التعقيد مع اندلاع تمرد وحرب الدعم السريع وأعوانها فى الداخل والخارج ضد القوات المسلحة والشعب السوداني، وهي الحرب التي أعادت كشف هشاشة الإقليم بأكمله، وأثبتت أن استقرار الخرطوم وجوبا ليس مسألة ثنائية معزولة، بل جزء من معادلة أمنية تمتد من القرن الأفريقي حتى البحر الأحمر ومنطقة الساحل.
لقد حاولت جوبا منذ اندلاع الحرب في السودان الحفاظ على توازن دقيق في موقفها السياسي، فهي من جهة ترتبط بعلاقات تاريخية ومؤسساتية مع الدولة السودانية، ومن جهة أخرى تخشى الانخراط المباشر في صراع قد يهدد توازناتها الداخلية الهشة. لكن الواقع العملي كشف سريعاً أن جنوب السودان لا يملك رفاهية الحياد الكامل، لأن اقتصاده وأمنه القومي مرتبطان بصورة عضوية بما يجري داخل السودان.
فالنفط، الذي يمثل العمود الفقري لاقتصاد جنوب السودان، ما يزال يعتمد على البنية التحتية السودانية للتصدير عبر البحر الأحمر. وأي اضطراب أمني واسع في السودان ينعكس فوراً على عائدات جوبا المالية، وعلى قدرتها في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والسياسي. ولذلك فإن الحرب السودانية لم تكن بالنسبة لجنوب السودان مجرد أزمة في دولة مجاورة، بل تهديداً مباشراً لبنية الدولة الجنوبية نفسها.
ومع تطور الحرب السودانية بعد عام 2023، بدأت الخرطوم تنظر بقلق متزايد إلى طبيعة العلاقة بين بعض دوائر النفوذ داخل جنوب السودان وقوات الدعم السريع، خاصة في ظل التقارير المتكررة حول وجود عناصر جنوبية تقاتل ضمن صفوف الدعم السريع، سواء بدوافع مالية أو عبر شبكات الارتباط الحدودية والقبلية المعقدة التي تشكلت خلال العقود الماضية على امتداد الشريط الحدودي بين البلدين.
وقد تعززت هذه المخاوف مع تصاعد المؤشرات المرتبطة بحركة النفوذ الإقليمي داخل جنوب السودان، في ظل التنافس الجيوسياسي المتزايد في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. وفي هذا السياق، تتجه بعض القراءات الاستراتيجية داخل الخرطوم إلى الربط بين التحركات الإقليمية لكل من الإمارات العربية المتحدة وإثيوبيا داخل الساحة الجنوبية، وبين اتساع الهوامش السياسية واللوجستية التي استفادت منها قوات الدعم السريع خلال مراحل مختلفة من الحرب.
وترى قطاعات داخل النخبة السودانية أن جوبا تحولت – بصورة مباشرة أو غير مباشرة ـ إلى إحدى البيئات التي وفرت هامش حركة سياسي وإعلامي ولوجستي لبعض قيادات الدعم السريع، الأمر الذي عمّق حالة الشك داخل مؤسسات الدولة السودانية تجاه طبيعة التموضعات الإقليمية المحيطة بالحرب، وأعاد طرح تساؤلات قديمة حول كيفية توظيف الفضاءات الهشة المحيطة بالسودان ضمن صراعات النفوذ الإقليمي.
كما تنظر دوائر سودانية إلى مشاركة بعض المرتزقة الجنوبيين في القتال باعتبارها مؤشراً خطيراً على هشاشة البيئة الحدودية بين البلدين، وعلى قابلية هذه المناطق للتحول إلى فضاء مفتوح للمقاتلين العابرين للحدود، في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية وضعف السيطرة الأمنية في أجزاء واسعة من الإقليم.
غير أن التعقيد الحقيقي لا يكمن فقط في وجود هذه الظواهر، وإنما في احتمال تحوّل جنوب السودان نفسه إلى ساحة تنافس إقليمي مرتبطة بمستقبل التوازنات داخل السودان. فكلما طال أمد الحرب، ازدادت احتمالات توظيف الجنوب ضمن حسابات النفوذ الإقليمي والدولي، وهو ما قد يدفع العلاقة بين الخرطوم وجوبا نحو مرحلة أكثر حساسية وتعقيداً إذا لم يتم احتواء هذه الملفات عبر تفاهمات استراتيجية واضحة وصريحة بين الطرفين.
وفي المقابل، يدرك السودان أن استقرار جنوب السودان لم يعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة استراتيجية. فالفوضى في الجنوب تعني تلقائياً اتساع الحدود الرخوة، وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة، وتدفق موجات النزوح، وازدهار شبكات التهريب والجريمة المنظمة. كما أن أي انهيار واسع في جنوب السودان سيفتح المجال أمام تدخلات إقليمية ودولية أكثر عمقاً داخل المجال السوداني نفسه.
لكن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في العلاقة الثنائية، وإنما في البنية الداخلية الهشة لجنوب السودان. فالدولة الوليدة ما تزال تواجه أزمة عميقة في بناء الهوية الوطنية الجامعة. وقد ظلت الانقسامات القبلية والسياسية تشكل تهديداً دائماً للاستقرار، خاصة مع استمرار التنافس بين مراكز القوى داخل الحركة الشعبية الحاكمة.
ورغم الاتفاقات السياسية المتعددة، فإن الصراع بين الرئيس سلفاكير ميارديت وخصومه السياسيين، وعلى رأسهم رياك مشار، لم يُحل بصورة جذرية، بل جرى احتواؤه مرحلياً ضمن تسويات هشة قابلة للانفجار في أي وقت. كما أن الاقتصاد الجنوبي ما يزال اقتصاداً ريعياً يعتمد بصورة شبه كاملة على النفط، في ظل ضعف الإنتاج الزراعي والصناعي، وغياب مؤسسات الدولة الحديثة.
وهنا تظهر واحدة من أهم الحقائق الجيوبوليتيكية في المنطقة: أن السودان وجنوب السودان ليسا خصمين تقليديين بقدر ما هما “دولتا أزمة مشتركة”. فكلاهما يواجه تحديات تتعلق ببناء الدولة، وإدارة التنوع، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والتعامل مع التدخلات الخارجية.
كما أن المصالح المشتركة بين البلدين أكبر بكثير من نقاط الخلاف، حتى وإن غلب الخطاب السياسي المتوتر على العلاقة في كثير من الأحيان. فهناك ترابط اقتصادي عميق يفرض نفسه بحكم الجغرافيا، إضافة إلى المصالح الأمنية المرتبطة بحماية الحدود ومنع نشاط الجماعات المسلحة.
كذلك فإن القبائل العابرة للحدود، مثل الدينكا، والمسيرية، والنوير والشلك وغيرها، تجعل من الصعب التعامل مع الحدود بين البلدين بوصفها خطوط فصل نهائية. فهذه المجتمعات حافظت عبر عقود طويلة على أنماط تداخل اجتماعي واقتصادي تتجاوز الحدود السياسية الرسمية.
ومن منظور استراتيجي، تبدو منطقة أبيي نموذجاً مكثفاً لهذه المعضلة التاريخية، حيث تتقاطع اعتبارات النفط والقبيلة والهوية والجغرافيا في مساحة صغيرة تحمل رمزية كبيرة للطرفين. ولذلك فإن استمرار النزاع حول أبيي يعكس في جوهره أزمة أعمق تتعلق بكيفية إدارة التداخل التاريخي بين السودان وجنوب السودان.
وفي ظل التحولات الإقليمية الحالية، تبدو الحاجة ملحة للانتقال من مرحلة “إدارة الأزمة” إلى مرحلة “بناء الشراكة”. فالإقليم المحيط بالبلدين يشهد تغيرات متسارعة، تشمل اضطرابات القرن الأفريقي، وتصاعد التنافس الدولي في البحر الأحمر، وتنامي تهديدات الجماعات المسلحة في منطقة الساحل والصحراء. وكلها عوامل تجعل استمرار التوتر بين الخرطوم وجوبا استنزافاً استراتيجياً للطرفين معاً.
ومن هنا، فإن الخروج من “العتمة الاستراتيجية” يتطلب رؤية جديدة تقوم على المصالح الواقعية لا الشعارات العاطفية أو الحسابات التكتيكية الضيقة.
أول هذه المسارات يتمثل في تأسيس آلية تنسيق استراتيجي دائم بين البلدين، تتجاوز الطابع البروتوكولي التقليدي نحو بناء شراكة أمنية واقتصادية طويلة الأمد. فغياب التنسيق المؤسسي ظل أحد أسباب تراكم الأزمات وسوء إدارة الملفات الحساسة.
أما المسار الثاني، فيتعلق بإعادة تعريف الحدود من كونها مناطق صراع إلى مناطق تكامل اقتصادي وتجاري. ويمكن للطرفين تطوير مناطق تجارة حرة ومشروعات بنية تحتية مشتركة تسهم في تقليل التوترات وتحويل المصالح الاقتصادية إلى عنصر استقرار.
كذلك فإن ملف النفط يجب أن يتحول من أداة ضغط متبادل إلى قاعدة شراكة استراتيجية، عبر اتفاقات طويلة المدى تضمن استقرار الإنتاج والتصدير، وتربط مصالح الطرفين بمعادلة تعاون مستدام.
وفي الجانب الأمني، تبدو الحاجة ملحة لإنشاء قوة حدودية مشتركة وتطوير آليات تبادل المعلومات الاستخباراتية، خاصة في ظل تصاعد تهديدات التهريب والجماعات المسلحة والهجرة غير النظامية.
كما أن بناء علاقات ثقافية ومجتمعية جديدة بين الشعبين سيكون عاملاً حاسماً في تخفيف آثار الحرب الطويلة. فالصراع السياسي عبر العقود الماضية خلق صوراً ذهنية سلبية متبادلة، بينما تظل الروابط الاجتماعية والثقافية العميقة قادرة على لعب دور مهم في إعادة بناء الثقة.
إن السودان وجنوب السودان يقفان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في الدوران داخل حلقة الشكوك والصراعات والهشاشة، وهو مسار قد يقود إلى مزيد من التفكك والفوضى الإقليمية، أو الانتقال نحو شراكة واقعية تفرضها الجغرافيا والمصالح المشتركة.
فالتاريخ أثبت أن الانفصال السياسي لا يعني بالضرورة الانفصال الاستراتيجي، وأن الدول التي تتجاهل حقائق الجغرافيا كثيراً ما تجد نفسها أسيرة أزمات متكررة.
ولهذا، فإن مستقبل العلاقة بين الخرطوم وجوبا لن تحدده فقط ذكريات الحرب والانفصال، بل قدرة الطرفين على إدراك حقيقة أكثر عمقاً: أن الأمن في وادي النيل والقرن الأفريقي لم يعد قابلاً للتجزئة، وأن الاستقرار لن يتحقق عبر الغلبة المتبادلة، بل عبر بناء توازن جديد يقوم على التعاون، لأن الجغرافيا في نهاية المطاف لا تعترف بالقطيعة الكاملة.
علاقة دولة جنوب السودان بالسودان: عتمة استراتيجية أم مستقبل مشرق (4-4) .. د. إسماعيل الناير عثمان .. باحث استراتيجي .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية
المقالة السابقة


