مقدمة
تدخل الحرب في السودان مرحلة توصف بأنها الأكثر حساسية منذ اندلاع الصراع، في ظل تزايد المؤشرات على حدوث تصدعات داخلية عميقة في بنية قوات الدعم السريع، بالتزامن مع استمرار الضغوط العسكرية والسياسية والإقليمية عليها، وتنامي المخاوف الدولية من انتقال آثار الحرب إلى دول الجوار، خاصة تشاد، وأفريقيا الوسطى وبعض مناطق الساحل الأفريقي.
وفي المقابل، تواصل القوات المسلحة السودانية وحلفاؤها تحقيق تقدم ميداني وسياسي تدريجي، وسط تصاعد الانشقاقات داخل صفوف الدعم السريع، وارتفاع وتيرة الاستهدافات الدقيقة للقيادات ومراكز النفوذ والإمداد.
كما أن المشهد الإقليمي بات يشهد تحركات متسارعة، أبرزها لقاءات إثيوبية ـ سودانية غير معلنة التفاصيل بصورة كاملة، وتحركات عربية ودولية تسعى لاحتواء تداعيات الحرب ومنع تحول السودان إلى بؤرة فوضى إقليمية ممتدة.
أولاً: الانشقاقات داخل الدعم السريع… بداية الانهيار البنيوي
تشير التطورات الأخيرة إلى أن الانشقاقات داخل قوات الدعم السريع لم تعد مجرد أحداث متفرقة، وإنما تحولت إلى ظاهرة تعكس أزمة ثقة متصاعدة داخل التكوين القيادي والميداني للقوات.
فالحديث عن انشقاق مسؤولين وقادة ميدانيين في غرب دارفور، إلى جانب تصاعد التسريبات المتعلقة بالخلافات الداخلية، يؤكد أن حالة التماسك التي ظهرت في بداية الحرب بدأت تتآكل بصورة متسارعة.
ويرى مراقبون أن طول أمد الحرب، وتراجع المكاسب العسكرية، وتصاعد الضربات الجوية، وفقدان مناطق استراتيجية، كلها عوامل دفعت عدداً من القيادات الميدانية إلى إعادة حساباتها السياسية والأمنية.
كما أن التحالفات القبلية والمصلحية التي تأسست عليها قوات الدعم السريع بدأت تواجه اختبارات قاسية مع ازدياد الخسائر البشرية والمادية، الأمر الذي يهدد بحدوث مزيد من الانقسامات خلال المرحلة المقبلة.
ثانياً: استهداف المرافق المدنية وتوسيع دائرة الحرب
شهدت مدينة كوستي وغيرها من المناطق الحيوية حالة من التوتر بعد استهدافات بالطائرات المسيّرة والقصف الذي طال مناطق مدنية، في مؤشر على اتساع نطاق الحرب وتحولها إلى صراع يستهدف البنية الاقتصادية والخدمية للدولة.
كما أثارت صور الأقمار الصناعية التي تحدثت عن إنشاءات عسكرية حديثة في بعض المطارات السودانية تساؤلات واسعة حول طبيعة الترتيبات العسكرية الجديدة، وإمكانية انتقال الحرب إلى مرحلة أكثر تعقيداً من حيث التقنيات والأسلحة المستخدمة.
ويرى محللون أن استمرار استهداف المرافق المدنية، والمطارات، ومحطات الخدمات، يعكس محاولة لإرباك الدولة السودانية وإبطاء جهود إعادة الاستقرار والخدمات، خاصة مع عودة تدريجية لبعض مؤسسات الدولة إلى العاصمة الخرطوم.
ثالثاً: الجامعة العربية… إدانة حذرة وتوازنات معقدة
أصدر مجلس جامعة الدول العربية القرار رقم 9246 بشأن السودان، متضمناً إدانة للاعتداءات التي استهدفت المرافق المدنية والبنية التحتية.
غير أن البيان، بحسب مراقبين، تجنب بصورة واضحة تسمية الجهات المتهمة بتنفيذ الهجمات، سواء قوات الدعم السريع أو الجهات الإقليمية المتهمة بتقديم الدعم اللوجستي والتقني.
ويعكس هذا الموقف حجم التعقيدات والانقسامات داخل النظام العربي الرسمي، خاصة في ظل تضارب المصالح الإقليمية، ومحاولة بعض الدول المحافظة على توازنات دقيقة بين أطراف الصراع.
إلا أن مجرد صدور قرار عربي بشأن استهداف المرافق المدنية يعد تطوراً مهماً مقارنة بالمواقف السابقة التي اتسمت بدرجة عالية من الصمت أو الحياد.
رابعاً: تحذيرات أمريكية من انفجار الأوضاع في تشاد
حذّر عدد من المسؤولين والخبراء الأمريكيين، ومن بينهم المحلل المعروف كاميرون هدسون، من خطورة انتقال تداعيات الحرب السودانية إلى تشاد ودول الجوار.
وتستند هذه التحذيرات إلى عدة عوامل، أبرزها:
— التداخل القبلي والاجتماعي بين غرب السودان وشرق تشاد.
— حركة السلاح والمقاتلين عبر الحدود.
— الضغوط الاقتصادية والأمنية على الحكومة التشادية.
— تصاعد نشاط الجماعات المسلحة في الإقليم.
ويرى مراقبون أن استمرار الحرب في السودان دون تسوية سياسية سيؤدي إلى إعادة تشكيل المشهد الأمني في منطقة الساحل والقرن الأفريقي بصورة خطيرة، خاصة مع دخول أطراف إقليمية ودولية متعددة على خط الصراع.
خامساً: لقاء آبي أحمد ومالك عقار… احتواء الأزمة أم إعادة التموضع؟
أثار اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بنائب رئيس مجلس السيادة السوداني مالك عقار في جيبوتي العديد من التساؤلات، خاصة في ظل الاتهامات السودانية السابقة المتعلقة بالطائرات المسيّرة والانطلاق من الأراضي الإثيوبية.
ويرى بعض المحللين أن إثيوبيا تسعى إلى احتواء التصعيد مع السودان بعد تنامي الغضب الشعبي والسياسي السوداني تجاه أديس أبابا، خاصة مع تعقيدات ملف سد النهضة، والتوترات الحدودية، والحرب الداخلية الإثيوبية نفسها.
كما أن آبي أحمد يدرك أن استمرار التوتر مع السودان قد يفتح جبهة إقليمية جديدة في وقت تواجه فيه بلاده تحديات اقتصادية وأمنية متزايدة.
أما السودان، فيبدو أنه يحاول إدارة الأزمة بحذر، مع الإبقاء على خياراته السياسية والدبلوماسية مفتوحة، دون استبعاد الرد في حال استمرار ما يعتبره دعماً غير مباشر لقوات الدعم السريع.
سادساً: الدعم السريع بين الاستنزاف والعزلة
تشير مجمل التطورات الحالية إلى أن قوات الدعم السريع تواجه ثلاث أزمات متزامنة:
— أزمة عسكرية تتمثل في فقدان المواقع وتزايد الضربات النوعية.
— أزمة سياسية بسبب تراجع التعاطف الداخلي والخارجي مع مشروعها.
— أزمة تنظيمية نتيجة الانشقاقات والصراعات الداخلية.
ومع اتساع هذه الأزمات، تبدو قيادة الدعم السريع أمام خيارات محدودة، خاصة في ظل تزايد المؤشرات على انتقال الحرب إلى مرحلة “الاستنزاف الطويل”، التي عادة ما تكون أكثر خطورة على التشكيلات غير النظامية.
خاتمة
تؤكد المعطيات الحالية أن الحرب في السودان تدخل مرحلة جديدة قد تكون حاسمة في تحديد مستقبل الصراع وتوازناته الداخلية والإقليمية.
فالانشقاقات المتسارعة داخل قوات الدعم السريع، وتزايد الضغوط العسكرية والسياسية عليها، إلى جانب التحركات العربية والدولية المتنامية، كلها مؤشرات على أن المشهد يتغير بوتيرة سريعة.
غير أن استمرار التدخلات الإقليمية، وتعقيدات المصالح الدولية، يجعل من الصعب الحديث عن نهاية قريبة للحرب، رغم تزايد المؤشرات على تراجع مشروع الدعم السريع عسكرياً وسياسياً.
ويبقى السؤال الأهم:
هل تقود هذه التحولات إلى تسوية سياسية شاملة تحفظ وحدة السودان واستقراره؟
أم أن المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة من إعادة رسم التوازنات بالقوة والنفوذ؟
البريد الإلكتروني:
bshair057@gmail.com


