Popular Now

منشورات د. أحمد المفتي ، رقم 6061 | عندما يكتب شيخ جليل ” جرعة وعي” فإن ذلك يعضد مسيرتنا

التنين الصيني والشرق الأوسط.. ثم ماذا بعد؟ .. د.إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتيجية و الأمنية

معمار اللادولة: كيف تغذي فوضى الصادرات وهشاشة الواردات عزلة السودان؟ الموازنة الحرجة: المفارقة البنيوية للعزلة .. د. محمد الخاتم تميم

معمار اللادولة: كيف تغذي فوضى الصادرات وهشاشة الواردات عزلة السودان؟ الموازنة الحرجة: المفارقة البنيوية للعزلة .. د. محمد الخاتم تميم

يتحرك المشهد السياسي السوداني بين قراءتين متناقضتين لمفهوم العزلة الدولية؛ تيار يرى الانكفاء الخشن حتمية سيادية لحماية البلاد، وتيار يرى الشرعية الدولية مفتاحاً وحيداً لإنعاش الاقتصاد. ومع ذلك، يغفل الطرفان عن المفارقة الكبرى: كيف ينجح العالم في عزل “الدولة” ومؤسساتها الرسمية سياسياً ومصرفياً، بينما يستمر في استهلاك واستيراد أثمن مواردها كالذهب والصمغ العربي؟
إن حسم الملف العسكري واستعادة السيطرة على الأرض يمثلان اليوم “الأرضية الصلبة” التي لا غنى عنها لبناء أي مسار تنموي أو سياسي قادم، خاصة في ظل التحولات الميدانية المتسارعة التي قد تفضي إلى تشكيل واجهة مؤسسية جديدة و تعين رئيس وزراء توافقي جديد، لكن المحك الحقيقي يكمن في مدى قدرة الدولة على ضبط ما سيُبنى فوق هذه الأرضية لمنع عودة الموارد إلى مربع التشتت والنهب، لأن العزلة في عمقها ليست مجرد قرار خارجي، بل هي انعكاس لخلل بنيوي داخلي قسّم اقتصاد البلاد إلى محورين: صادرات سيادية تتدفق عبر شبكات التهريب لغياب السيطرة، و واردات حيوية ترتهن لمافيا الأزمات لعجز المؤسسات عن الامتثال العالمي.
أولاً: شريان الظل.. كيف تعبر الموارد السيادية جدار العزلة الرسمية؟
تتحرك الصادرات الاستراتيجية للسودان في بيئة معزولة رسمياً لكنها مستباحة عملياً. وتشير دراسات اقتصاديات النزاع (مثل تقارير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام – SIPRI) إلى أن الدول التي تفقد السيطرة المؤسسية على حدودها ومناطق إنتاجها، تتحول مواردها الطبيعية إلى “أصول موازية” تُتداول خارج القنوات الرسمية.
هذا ما يحدث في قطاعي الذهب والصمغ العربي؛ فالعالم لا يحتاج للاعتراف بمؤسسات الدولة لكي يحصل على هذه السلع، بل يستهلكها عبر “سلاسل إمداد مظلمة” تسيطر عليها الميليشيات وسماسرة الحرب. النتيجة هنا هي “عزلة ماليّة قهرية”: الموارد تخرج، والعائدات تبني شبكات مصالح موازية خارج حدود الوطن، بينما تظل خزينة البنك المركزي معزولة تماماً عن هذه التدفقات النقدية.
ثانياً: فخ الامتثال.. عندما تتحول البيروقراطية التقليدية إلى طوق عزلة اقتصادية
في المقابل، تظهر العزلة في جانب الواردات الحيوية (كالوقود) كشكل من أشكال العجز المؤسسي والفساد الهيكلي. وما تشهده كواليس استيراد البترول يمثل تجسيداً صارخاً؛ حيث تتخفى شركات محدودة خلف عشرات الأسماء الوهمية (نظام الكوتات) لتمارس المضاربة بالعملة الصعبة وتستورد التضخم.
لكن قراءة هذا المشهد بعين “المؤامرة والتلكؤ السياسي” وحده يعمينا عن جوهر الأزمة الفني؛ فالشركات العالمية العملاقة — مثل شركة أرامكو السعودية بعد تحولها لشركة مساهمة — باتت محكومة بلغة الأرقام الصارمة وإدارة المخاطر العالية. تعطل صفقة استراتيجية كعرض أرامكو (الذي يمنح دفعاً مؤجلاً لـ 180 يوماً) يعود في عمقه إلى “الجدار البيروقراطي والتقني” للدولة السودانية. أرامكو تطلب شروط امتثال ائتماني وقوانين صارمة لمكافحة غسل الأموال واستقرار البنك المركزي، وهي أدوات تعجز المؤسسات المالية التقليدية المترهلة عن توفيرها في ظل نظام دفتري عتيق أنهكته الحرب.
ثالثاً: النماذج الدولية والحل الرقمي السيادي
إن كسر طوق هذه العزلة المزدوجة يتطلب استلهام تجارب دولية نهضت من رماد النزاعات عبر إعادة بناء أدوات الحوكمة والسيادة:
• رواندا: استخدمت الرقمنة الشاملة لتطهير الخدمة المدنية وبناء “إطار مشترك” يثق فيه المجتمع الدولي والمواطن بعد الحرب الأهلية.
• كينيا وأوغندا: سحبتا قطاع الطاقة من أيدي المضاربين والشركات الخاصة، وإسناده لآليات سيادية تسيطر عليها الدولة (اتفاقيات G2G). رابعاً: تفكيك العطب المركب.. المعمار الرقمي كعقد مواطنة بديل للقبيلة
وهنا تلتقي الحلول التقنية مع أطروحة الدكتورة ناهد الحسن حول “العطب المركب” وغياب الإطار المشترك. إن انكفاء المواطن نحو القبيلة كبديل دفاعي يعود أساساً لفقدان الثقة في قواعد الدولة.
إن تأسيس بنية تحتية رقمية عامة (DPI) تعتمد على نظام مدفوعات فوري (ISO 20022)، وربطها بـ “بورصة محاصيل رقمية” و “نافذة إلكترونية موحدة” سيمثل الحل المزدوج؛ فهو يمنح الدولة “أدوات الامتثال” للتخاطب مع العمالقة كأرامكو في جانب الواردات، ويوفر “آليات السيطرة” لتوثيق وحوكمة الصادرات كالصمغ والذهب كإجراء مكمل للسيطرة الأمنية.
وعندما يجد المزارع في أطراف السودان أن هذا النظام الرقمي العادل يحمي عرقه ويقضي على الجبايات العشوائية دون حاجة لوساطة قبيلة أو نفوذ، ستُبنى الثقة المفقودة في الدولة. وتؤكد دراسات البنك الدولي أن رقمنة هذه المعاملات ترفع عوائد المنتجين بنسبة تتراوح بين 20% إلى 30%، مما يعيد توجيه الكتلة النقدية للمصارف الرسمية، ويحقق مساواة حقيقية تقوم على الكفاءة لا الهوية الفرعية.

الخاتمة
إن حسم المعركة عسكرياً يسترد الأرض، لكن الحوكمة الرقمية والمؤسسية هي التي تسترد السيادة. لن يكسر السودان عزلته بالبيانات السياسية، بل عندما يتحدث اقتصاده لغة تقنية عالمية موحدة، وتتحول مؤسساته من “أدوات ضبط عتيقة” إلى “منظومات دفع وامتثال شفافة” تحمي الصادرات وتؤمّن الواردات تحت مظلة سيادة الدولة وأمنها.

المقالة السابقة

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد تحول “إنسان الحشد” إلى مشروع دولة .. محمد أحمد أبوبكر — باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

المقالة التالية

التنين الصيني والشرق الأوسط.. ثم ماذا بعد؟ .. د.إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتيجية و الأمنية

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *