Popular Now

وقود المستقبل باهظ الثمن… كيف يعيد التحول الخفيّ تشكيل خريطة الطاقة العالمية؟ .. بقلم مستشار: أحمد حسن الفادني ـ باحث بمركز الخبراء العرب

حين يكتب ابن المقفع عن عودة النور قبة و علي السافنا باب (خِصامِ العائِدينَ ولُزومِ الحُكْمِ المَكينِ) .. د.محمد حسن فضل الله

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6059 | الجماهير “لن تحيد” فينبغي أن تستمع النخب السياسية لها منشور جماهيري حقوقي غنائي !!!

وقود المستقبل باهظ الثمن… كيف يعيد التحول الخفيّ تشكيل خريطة الطاقة العالمية؟ .. بقلم مستشار: أحمد حسن الفادني ـ باحث بمركز الخبراء العرب

لطالما اعتبر المستهلك العادي أن ارتفاع سعر الوقود هو نتيجة حتمية لحروب، أو أعطال في سلسلة التوريد أو قرار مفاجئ من أوبك، لكن الحقيقة من منظور تحليلي آخر قد تكون الصورة أعمق بكثير، فما نشهده اليوم لا يعد موجة تضخم عابرة فقط، إنما هي إعادة هندسة ممنهجة للسلوك البشري يقودها تحالف غير معلن بين منتجي النفط الكبار وداعمي التحول الأخضر.

أولًا: الأسباب الخفية… من يتحكم فعليًا في الأسعار؟
بعيدًا عن عناوين الأخبار و الوسائط الأخرى هناك ثلاثة محركات خفية -في رأي الشخصي- تقف خلف هذا الارتفاع المستدام:
1. الاحتكار الممنهج للإنتاج: دول أوبك بلس لم تعد تهدف فقط لتحقيق توازن الأسعار عند 70-80 دولار فهي تعلمت الدرس من انهيار 2014 و2016 (حين انهارت الأسعار إلى 30 دولار). اليوم تطبق سياسة الندرة المدارة عبر خفض الإنتاج الطوعي مثل تخفيضات السعودية وروسيا بمليون برميل يوميًا)، ليس لدعم السعر، إنما لخلق صدمة سلوكية تجعل المستهلكين يتشككون في مستقبل الاعتماد على النفط الرخيص.
2. أزمة الاستثمار في الاستكشاف: خلال العقد الماضي ضغطت مجالس إدارة شركات النفط الكبرى على مديريها التنفيذيين لخفض الإنفاق على الحفر والتنقيب بدل من ضخ الأرباح في المستثمرين. فكانت النتيجة (معامل تكرير متقادمة، و احتياطيات نفطية جديدة لم تكتشف) أي أن الاختناق في جانب العرض هو نتاج قرارات مالية ذكية لتعظيم الأرباح على المدى القصير، مما يرفع الأسعار حتما في المدى الطويل.
3. الهدف الخفي: كسر القصور الذاتي الاستهلاكي وهو أكثر ما يخيف شركات الطاقة هو أن يعتاد الإنسان على رخص الوقود لذا تعمل الجهات النافذة المنتجون والحكومات الغربية بتواطؤ صامت على فكرة أن سعر الوقود يجب أن يعكس التكلفة الحقيقية بيئيًا وجيوسياسيًا، هذا المبرر يتيح رفع الأسعار دون خوف سياسي.

ثانيًا: المستفيد الأول.. من يربح من هذا التحول القسري؟
– شركات الطاقة المتجددة الكبرى كل ارتفاع في سعر برميل النفط يجعل عائد الاستثمار في الألواح الشمسية وتوربينات الرياح أكثر جاذبية فالتعادل في التكاليف بين النفط والطاقة الشمسية كان عند 50 دولارًا للبرميل لكنه اليوم عند 90 دولار يتحول إلى ربح خيالي للمستثمر الأخضر.
– دول الخليج: السعودية والإمارات لا تريدان بيع آخر برميل نفط إنما تريدان تمويل مستقبل النفط أن رفع الأسعار الآن يدر تريليونات الدولارات التي تضخ في مشاريع الهيدروجين الأخضر والسيارات الكهربائية فهم يستفيدون مرتين الاول من بيع النفط الغالي الثاني من استثمار عوائده في بدائله.
– الحكومات الغربية (ضرائب الكربون): أوروبا والولايات المتحدة ترى أن ارتفاع الوقود الأحفوري هو الكمامة التي تجبر المواطن على قبول تحولات جذرية كمنع سيارات البنزين بحلول 2035.

ثالثًا: التوقعات المنطقية… أين نحن بعد 5 سنوات؟
بناء على النماذج التاريخية نستعرض السيناريوهات التالية :
1. سيناريو القاعدة: سيبقى سعر برميل برنت بين 85 و110 دولار حتى 2028 لن تعود الأسعار إلى 40-60 دولار أبداً لأن نظام الندرة المدارة أصبح ثابتا في سياساتهم.
2. نقطة التحول: عند وصول سعر الوقود إلى 2.5 دولار لكل لتر عالميًا وهو قريب في أوروبا حاليا سيحدث انهيار نفسي جماعي للطلب على السيارات التقليدية، وستقفز مبيعات السيارات الكهربائية إلى 70% من السوق الجديد بحلول 2030.
3. المخاطرة: إذا استمرت حرب مضيق هرمز أو تعطلت قناة السويس سنشهد مؤقتا 200 دولار للبرميل، مما يعني أن التحول لن يكون تدريجيًا إنما سيحدث انفجار كبير في الأسعار .

رابعًا: التحوطات المطلوبة من الحكومة السودانية:
هنا يأتي دور الحكومات الذكية على المستوى العالمي حيث تشمل التحوطات الآتي:
– تثبيت أسعار الكهرباء لعقود طويلة الأجل مع منتجي الطاقة الشمسية المتوقعين.
– حوافز ضريبية ضخمة لاستبدال المضخات النفطية.
– تخزين استراتيجي من النفط الخام (على الأقل 90 يوما من الواردات).

لكن ماذا أشرنا هنا الحكومة السودانية تحديدًا؟
السودان في وضع استثنائي يمتلك موارد ضخمة من الطاقة الشمسية والرياح (أكثر من 3000 ساعة سطوع سنويًا) لكنه يعاني من شلل في البنية التحتية وعقوبات مالية تاريخية، بناء على التحليل العام فإن التحوطات المنطقية للحكومة السودانية يجب أن ترتكز على ثلاثة محاور:
1. وقف فوري لدعم الوقود الأحفوري الضمني بدلًا من إنفاق المليارات على استيراد الديزل والبنزين بأسعار عالمية مرتفعة (التي ستستمر في الارتفاع) يجب إعادة توجيه هذه الأموال لبناء شبكات صغيرة للطاقة الشمسية (Micro-grids) في المدن الرئيسية (الخرطوم، بورتسودان، عطبرة). حيث أثبتت التجارب الريفية السودانية جدوى هذا النموذج.
2. اتفاقيات مقايضة ذكية: على الحكومة التفاوض مع شركات النفط العالمية (معفاة من العقوبات) مثل (أورينت) أو الشركات الصينية لتوريد ألواح شمسية وبطاريات تخزين مقابل منحهم امتيازات تنقيب محدودة في مناطق آمنة. هذا يحول الطلب على الوقود إلى استثمار في البنية التحتية الخضراء.
3. تحوط حقيقي للجنيه السوداني: بما أن السودان مستورد صافى للنفط فإن الحكومة يجب أن تنشئ صندوقًا لتثبيت سعر صرف العملة المحلية مقابل سلة من العملات المرتبطة بالطاقة (وليس فقط بالدولار) هذا الصندوق يمول من عوائد الذهب أو التحويلات الخارجية، ليمتص الصدمات السعرية.
الخطورة على السودان: إذا بقيت الحكومة السودانية على سياسة الدعم الجزئي المتمثلة في توفير الوقود بسعر رمزي (عبر التهريب أو التسعير الجبري) فإنها ستفلس الخزينة العامة خلال 3 سنوات فقط ما لم يعتمد برنامج طموح لتوطين الصناعات الشمسية سيصبح المواطن السوداني يدفع 10% من دخله الشهري على التنقل وهي نسبة كارثية مقابل الدخول الضعيفة أصلًا.

موت ثقافة الوقود الرخيص:
ارتفاع أسعار الوقود ليس عيباً في السوق، إنما هو ميزة جديدة صممت خصيصًا لتغيير أسلوب حياتنا، فعلى الحكومات بدلًا عن مقاومة هذا التيار أن تسارع إلى بناء حواجز الأمان عبر الطاقة المتجددة. وبالنسبة للسودان، التأخر في هذا التحول يعني المخاطرة بفقدان الفرصة الأخيرة لإنقاذ اقتصاد هش. أما بالنسبة للمستهلك العادي فاعلم أن سعر اللتر اليوم هو أقل سعر ستراه في حياتك، لذا عليك أن تتواءم مع القادم وتغير السلوك الاستهلاكي لكي لا تزيد عليك الضائقة أكثر فأكثر.

(هذه توقعات ربما تكون واقع، فلنتحسّب لها)

المقالة السابقة

حين يكتب ابن المقفع عن عودة النور قبة و علي السافنا باب (خِصامِ العائِدينَ ولُزومِ الحُكْمِ المَكينِ) .. د.محمد حسن فضل الله

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *