Popular Now

منشورات د. أحمد المفتي ، رقم 6061 | عندما يكتب شيخ جليل ” جرعة وعي” فإن ذلك يعضد مسيرتنا

التنين الصيني والشرق الأوسط.. ثم ماذا بعد؟ .. د.إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتيجية و الأمنية

معمار اللادولة: كيف تغذي فوضى الصادرات وهشاشة الواردات عزلة السودان؟ الموازنة الحرجة: المفارقة البنيوية للعزلة .. د. محمد الخاتم تميم

التنين الصيني والشرق الأوسط.. ثم ماذا بعد؟ .. د.إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتيجية و الأمنية

قال المفكر الأمريكي زبيغنيو بريجنسكي إن “من يسيطر على أوراسيا يسيطر على العالم”، وهي مقولة تختصر جوهر الصراع الدولي الحديث، حيث تتقاطع الجغرافيا بالطاقة والتجارة والنفوذ العسكري في قلب الشرق الأوسط. أما المفكر الروسي ألكسندر دوغين فقد رأى أن العالم يتجه نحو صراع حضاري بين القوى البرية والقوى البحرية، وأن الشرق الأوسط يمثل أحد أهم ميادين هذا الاشتباك الجيوسياسي بين الشرق والغرب. وفي المقابل، تنطلق الرؤية الصينية الحديثة، كما يعبر عنها الرئيس والمفكر السياسي شي جين بينغ، من فكرة “المصير الإنساني المشترك”، حيث تسعى الصين إلى بناء النفوذ عبر الاقتصاد والتنمية والربط التجاري بدلاً من الهيمنة العسكرية التقليدية. أما في الشرق الأوسط نفسه، فقد عبّر المفكر العربي عبد الرحمن الكواكبي منذ وقت مبكر عن خطورة الاستبداد والصراع على المنطقة، حين أشار إلى أن الأمم الضعيفة تتحول دائماً إلى ساحات لتنافس القوى الكبرى. وبين هذه الرؤى الأربع يقف الشرق الأوسط اليوم مرة أخرى في قلب التحولات الدولية الكبرى، ليس فقط باعتباره خزاناً للطاقة أو ممراً بحرياً عالمياً، بل باعتباره مسرح صراع على شكل النظام الدولي القادم.

اليوم، واثناء الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، يعود السؤال الجيوسياسي الكبير ليطرح نفسه بقوة: كيف سيبدو مستقبل النفوذ الصيني في الشرق الأوسط؟ وهل تستطيع الصين الحفاظ على مشروعها الصاعد في منطقة تعود فيها القبضة الأمريكية إلى الواجهة العسكرية المباشرة؟ أم أن “التنين الصيني” سيحوّل هذه الفوضى إلى فرصة استراتيجية لإعادة تشكيل التوازنات الدولية بصورة أكثر عمقاً وهدوءاً؟
لقد تعاملت الصين لسنوات طويلة مع الشرق الأوسط بعقلية مختلفة تماماً عن القوى الإمبراطورية التقليدية. فبينما اعتمدت الولايات المتحدة على القواعد العسكرية والتحالفات الأمنية والهيمنة الصلبة، اختارت بكين طريق الاقتصاد والتجارة والاستثمار طويل الأمد. لم تدخل الصين المنطقة عبر حاملات الطائرات، بل عبر الموانئ، وخطوط السكك الحديدية، ومشروعات الطاقة، والتكنولوجيا، والبنية التحتية. ومن هنا بدا النفوذ الصيني أكثر هدوءًا وأقل صدامية، لكنه في الوقت ذاته أكثر عمقاً واستدامة.
غير أن الحرب الأخيرة على إيران كشفت أن الشرق الأوسط لا يزال محكوماً بمنطق القوة العسكرية التقليدية، وأن الاقتصاد وحده لا يكفي لحماية المصالح الاستراتيجية الكبرى. فإيران بالنسبة للصين ليست مجرد شريك اقتصادي عابر، بل تمثل محوراً حيوياً في مشروع “الحزام والطريق”، كما تشكل نقطة ارتكاز جغرافية تربط شرق آسيا بآسيا الوسطى، ثم بالشرق الأوسط وأوروبا. إضافة إلى ذلك، فإن إيران تمثل بالنسبة لبكين جزءاً من معادلة التوازن مع النفوذ الأمريكي، لأن أي انهيار استراتيجي لطهران يعني عملياً تعزيز الطوق الأمريكي حول الصين من الشرق الآسيوي حتى الخليج العربي.
الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران لم تكن مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل حملت رسائل استراتيجية عميقة إلى العالم بأسره. الرسالة الأولى أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك القدرة على إدارة التحالفات العسكرية الكبرى وإعادة فرض حضورها الأمني المباشر في المنطقة متى ما شعرت بأن مصالحها مهددة. أما الرسالة الثانية فهي أن إسرائيل ما تزال تمثل الذراع المتقدمة للمشروع الغربي في الشرق الأوسط في مواجهة إيران. بينما تمثلت الرسالة الثالثة في أن الصين ،رغم قوتها الاقتصادية الهائلة، لا تزال تعاني من فجوة استراتيجية تتعلق بعدم رغبتها في حماية مصالحها العالمية عسكرياً وأمنياً.
لقد استفادت الصين طوال العقود الماضية من حالة الاستقرار النسبي التي فرضتها القوة الأمريكية في الخليج والممرات البحرية الدولية. فواشنطن كانت تتحمل الكلفة الأمنية والعسكرية لحماية تدفق الطاقة والتجارة العالمية، بينما كانت بكين تجني المكاسب الاقتصادية بهدوء. لكن هذا النموذج يبدو اليوم في طريقه إلى التآكل. فالولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى الصين باعتبارها مجرد شريك اقتصادي عالمي، بل باعتبارها المنافس الاستراتيجي الأخطر على قيادة النظام الدولي خلال القرن الحادي والعشرين. ولهذا بدأت واشنطن في إعادة صياغة حضورها في الشرق الأوسط ضمن إطار أوسع يتعلق بالصراع العالمي مع الصين، وليس فقط بقضايا الإرهاب أو النفط كما كان الحال في العقود الماضية.
ومع ذلك، فإن الحديث عن تراجع النفوذ الصيني في الشرق الأوسط يبدو متسرعاً. فالصين تتحرك وفق مفهوم “الحكمه الاستراتيجية الطويله ”، وهي تدرك أن النفوذ لا يُبنى فقط عبر الجيوش والأساطيل، بل عبر الاقتصاد والتكنولوجيا وربط مصالح الدول بالمركز الصيني. ولهذا نجحت بكين في التحول إلى الشريك التجاري الأكبر لعدد كبير من دول المنطقة، بما في ذلك دول حليفة تقليدية للولايات المتحدة مثل المملكة العربية السعودية وقطر. كما أن الصين أصبحت المستورد الأكبر للطاقة الخليجية، وهو ما يمنحها ثقلاً اقتصادياً متزايداً يصعب تجاوزه.
الأهم من ذلك أن القوى الإقليمية نفسها لم تعد راغبة في الارتهان الكامل لمحور دولي واحد. فالسعودية وتركيا وحتى بعض القوى الأخرى باتت تميل إلى سياسة “تنويع الشركاء”، بحيث تستفيد من المظلة الأمنية الأمريكية دون التخلي عن الشراكات الاقتصادية العميقة مع الصين. وهذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً لدى دول الشرق الأوسط بأن العالم يتجه تدريجياً نحو نظام متعدد الأقطاب، وأن الاعتماد الكامل على قوة دولية واحدة لم يعد خياراً آمناً كما كان في السابق.
في المقابل، تدرك الصين أن الشرق الأوسط ليس مجرد ساحة تجارية، بل منطقة شديدة التعقيد من الناحية الأمنية والسياسية والثقافية. ولذلك فإن بكين تبدو حذرة للغاية من الانزلاق إلى المواجهات العسكرية المباشرة. فهي تدرك أن الدخول في صدام أمني مفتوح مع الولايات المتحدة داخل الشرق الأوسط قد يستنزف مشروعها الصاعد قبل أن يكتمل. ولهذا يرجح أن تواصل الصين سياستها القائمة على التمدد الاقتصادي الهادئ، مع تعزيز حضورها الدبلوماسي والسياسي بصورة تدريجية دون الانخراط في تحالفات عسكرية صلبة.
لكن أخطر ما كشفت عنه الحرب على إيران هو أن الشرق الأوسط لم يعد مجرد منطقة نفط أو نزاعات إقليمية تقليدية، بل تحول إلى ساحة مركزية في الصراع على شكل النظام الدولي القادم. فالصراع الدائر اليوم ليس فقط بين واشنطن وطهران، ولا حتى بين إسرائيل ومحور المقاومة، بل هو في جوهره جزء من معركة أوسع تتعلق بمن سيقود العالم خلال العقود القادمة: الغرب بقيادة الولايات المتحدة، أم آسيا بقيادة الصين؟
وفي خضم هذه التحولات الكبرى، يبدو “التنين الصيني” كقوة تتحرك بثقة ولكن بحذر شديد. فهو لا يريد حرباً شاملة، لكنه لا يستطيع الانسحاب من الشرق الأوسط، لأن مصالحه الاقتصادية والطاقة ومشروعه العالمي باتت مرتبطة عضوياً بهذه المنطقة. كما أن الصين تدرك أن أي فراغ تتركه في الشرق الأوسط ستملؤه الولايات المتحدة سريعاً، بما يؤدي إلى تطويقها استراتيجياً على المدى الطويل.
لذلك فإن السنوات القادمة مرشحة لأن تشهد تصاعداً تدريجياً في الحضور الصيني داخل الشرق الأوسط، ليس بالضرورة عبر القواعد العسكرية، بل عبر الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والتمويل والبنية التحتية. وفي المقابل ستواصل الولايات المتحدة استخدام قوتها العسكرية وتحالفاتها التقليدية للحفاظ على تفوقها الاستراتيجي ومنع الصين من التحول إلى القوة المهيمنة عالمياً.
وهكذا يقف الشرق الأوسط اليوم مرة أخرى في قلب التاريخ العالمي، لا باعتباره مجرد ساحة نزاعات محلية، بل باعتباره المختبر الحقيقي لمستقبل النظام الدولي القادم. وبين القوة العسكرية الأمريكية والصبر الاستراتيجي الصيني، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة طويلة من إعادة تشكيل النفوذ والتوازنات والتحالفات. وفي قلب هذه المعادلة يبقى السؤال مفتوحاً: هل ينجح التنين الصيني في تحويل نفوذه الاقتصادي إلى حضور جيوسياسي شامل؟ أم أن الشرق الأوسط سيظل ،كما كان دائماً، المجال الحيوي الذي تستعيد فيه القوى التقليدية قدرتها على الهيمنة وإعادة إنتاج النظام القديم بصور جديدة؟

المقالة السابقة

معمار اللادولة: كيف تغذي فوضى الصادرات وهشاشة الواردات عزلة السودان؟ الموازنة الحرجة: المفارقة البنيوية للعزلة .. د. محمد الخاتم تميم

المقالة التالية

منشورات د. أحمد المفتي ، رقم 6061 | عندما يكتب شيخ جليل ” جرعة وعي” فإن ذلك يعضد مسيرتنا

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *