Popular Now

من جهة اخرى .. ملاحم بطولات الجيش.. القائد أمر بالزحف .. عبود عبدالرحيم

السودان والقارة الأم: ذاكرة الدور ورسالة المستقبل .. د. مصطفى عثمان إسماعيل .. الأستاذ بجامعة حمد بن خليفة – دولة قطر .. وزير خارجية السودان الأسبق

بين ضغوط الهدنة وتحولات الميدان (27).. هل تفرض الوقائع العسكرية شروط السلام في السودان؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

السودان والقارة الأم: ذاكرة الدور ورسالة المستقبل .. د. مصطفى عثمان إسماعيل .. الأستاذ بجامعة حمد بن خليفة – دولة قطر .. وزير خارجية السودان الأسبق

مرَّ عشرون عامًا على صدور الطبعة الأولى من هذا الكتاب، وهي فترة لم تكن عادية في مسيرة السودان ولا في تاريخ قارته الأفريقية. شهدت بلادنا خلالها تحولات جسامًا، وآلامًا ممتدة، وانتكاسات موجعة، وحروبًا وانقسامات، وتغيرات في موقع السودان الإقليمي والدولي. وإذا كانت الطبعة الأولى قد صدرت تزامنًا مع احتفاء السودان بيوبيله الذهبي للاستقلال واستضافة الخرطوم لقمة الاتحاد الأفريقي، فإن هذه الطبعة الثالثة تنبثق من لحظة مختلفة كليًا: لحظة يواجه فيها السودان واحدة من أقسى محنه الوطنية، وتخضع فيها دولته ومجتمعه ونسيجه الإنساني لامتحان وجودي عميق.
استعادة الذاكرة ومواجهة النسيان
إن إعادة إصدار هذا الكتاب اليوم ليست مجرد عمل توثيقي، ولا استعادة لصفحاتٍ مضت من تاريخ الدبلوماسية السودانية، بل هي قبل ذلك محاولة لاستنطاق ذاكرة وطنية كادت أن تندثر تحت ركام الحروب والمرارات. إنها عودة إلى زمن كان فيه السودان فاعلًا في قارته، لا منفعلاً بها؛ مبادرًا، لا مترقبًا؛ داعمًا لحركات التحرر، لا باحثًا عن من يدعم وحدته واستقراره؛ حاضرًا في قضايا أفريقيا الكبرى، لا غائبًا عن مصائرها.
ريادة في التوثيق
كان هذا الكتاب، عند صدوره الأول، من أوائل الأعمال السودانية التي وثقت بشكل مباشر ومنهجي لدور السودان في دعم حركات التحرر الأفريقية. ولا تكمن ريادته فقط في تناوله موضوعًا لم يحظَ بالبحث والتوثيق الكافيين، بل في إعادة وضع السودان داخل سردية التحرر الأفريقي بصفته طرفًا أصيلًا في صياغتها، لا هامشًا عابرًا فيها.
فمعظم الكتابات عن حركات التحرر الأفريقية اعتادت التركيز على نشأة تلك الحركات، وقياداتها، ومعاركها، وعلاقاتها بالقوى الكبرى، فيما يرد السودان أحيانًا بصورة عرضية أو مبعثرة. أما هذا الكتاب فقد جعل من الدور السوداني محوره الأساسي، كاشفًا أن السودان لم يكن مجرد بلد متعاطف مع أشقائه الأفارقة، بل كان سندًا سياسيًا ودبلوماسيًا وماديًا ومعنويًا لعدد من قضايا التحرر في شمال القارة وشرقها وغربها وجنوبها.
جسر بين الشمال والجنوب
تتجلى أهمية هذه الطبعة الثالثة في أنها لا تعيد نشر كتاب قديم فحسب، بل تعيد تقديم شهادة تاريخية على مرحلة كان السودان فيها يعرف موقعه الطبيعي في أفريقيا. فالسودان، بحكم الجغرافيا والتاريخ والهوية والتكوين الثقافي، كان جسرًا بين شمال القارة وجنوبها، وبين العالم العربي وعمقه الأفريقي، وبين البحر الأحمر وامتدادات الساحل والصحراء، وبين وادي النيل وفضاءات القرن الأفريقي ووسط القارة وغربها. ولم يكن هذا الجسر مجرد وصف جغرافي، بل كان فعلًا سياسيًا وثقافيًا ودبلوماسيًا؛ فمن السودان مرت أفكار، وتقاطعت حركات، ووجدت قضايا أفريقية كبرى منبرًا وسندًا وملاذًا.

السودان: أفريقيا مصغرة
صفحات هذا الكتاب تذكرنا بأن السودان لم يكن دولة منغلقة على حدودها، ولا كيانًا حائرًا في هويته كما أراد البعض تصويره، بل كان بلدًا يدرك أن انتماءه الأفريقي ليس ادعاءً سياسيًا ولا شعارًا موسميًا، بل حقيقة راسخة في الإنسان والأرض والثقافة والتاريخ. فالسودان في جوهره أفريقيا مصغرة: تتعدد فيه الأعراق والثقافات واللغات والديانات، وتلتقي فيه الصحراء بالغابة، والنيل بالسافنا، والعربية بالأفريقية، والإسلام بالمسيحية، في نسيج معقد لكنه غني وعميق. ومن هذا الموقع المركب تشكلت رسالة السودان الأفريقية، ليس كسياسة خارجية عابرة، بل كامتداد لطبيعته وتكوينه ودوره.
التضامن بلا حدود
وقف السودان مع الثورة الجزائرية، ودعم نضالات التحرر في إريتريا وتشاد والكونغو، وساند قضايا جنوب أفريقيا وزيمبابوي وأنغولا وموزمبيق وناميبيا، وغيرها من قضايا التحرر ومناهضة الاستعمار والعنصرية. ولم يكن ذلك بلا ثمن؛ فقد كان الانحياز إلى حرية الشعوب الأفريقية يضع السودان أحيانًا في مواجهة قوى استعمارية أو أنظمة عنصرية أو حسابات دولية معقدة. غير أن السودان، في تلك المرحلة، كان يرى أن كرامته الوطنية لا تكتمل إلا بمساندة كرامة الآخرين، وأن استقلاله لا يكتمل معناه إلا حين يصبح جزءًا من موجة تحرر أوسع تشمل القارة كلها.
مفارقة مؤلمة
من المؤلم، بل من المفارقات القاسية، أن يُعاد إصدار هذا الكتاب اليوم والسودان نفسه يعيش حالة من الخذلان الأفريقي والدولي، أو هكذا يشعر كثير من أبنائه وهم يرون بلادهم تتألم، وتتشظى، وتدفع أثمان الحرب والنزوح والجوع وانهيار العمران والثقة. فالسودان الذي احتضن قضايا القارة، وفتح أرضه وضميره للاجئين والمناضلين والحركات الوطنية، يجد نفسه اليوم في حاجة إلى موقف أفريقي أكثر وضوحًا، وأكثر شجاعة، وأكثر وفاءً لذاكرة التضامن المشترك. وليس المقصود هنا تحميل أفريقيا وحدها مسؤولية ما آلت إليه أوضاع السودان؛ فأزمة السودان، في جوهرها، صنعتها عوامل داخلية عميقة، وأخطاء سياسية متراكمة، وصراعات على السلطة، وفشل في بناء عقد وطني جامع، أدى إلى تدخل خارجي في شؤونه في أسوأ صوره. لكن المؤلم أن القارة التي كان السودان يومًا من دعامات تحررها تبدو، في أحيان كثيرة، عاجزة عن منحه ما منحه هو لها: وضوح الموقف، وصدق النصرة، وإدراك أن سقوط السودان ليس شأنًا سودانيًا محضًا، بل جرح في جسد أفريقيا كلها.
بين الاستذكار والاستشراف
ومع ذلك، فإن هذه الطبعة لا تريد أن تكون بكاءً على زمن مضى، ولا محاكمة للآخرين، ولا استغراقًا في تمجيد الذات. فالتاريخ لا يُستدعى للتفاخر وحده، بل للتعلم والمراجعة واستعادة البوصلة. والكتاب، في طبعته الثالثة، ينبغي أن يُقرأ بوصفه سؤالًا موجهًا إلى السودانيين قبل غيرهم: كيف انتقل السودان من موقع الفاعل والمؤثر في قضايا القارة إلى موقع الدولة المثقلة بأزماتها الداخلية؟ كيف تراجعت دولة كانت تسهم في تحرير الآخرين إلى دولة تبحث عن سلامها الداخلي؟ وكيف يمكن لأمة تملك هذا الرصيد التاريخي أن تستعيد ثقتها بنفسها، ليس عبر الشعارات، بل عبر بناء دولة عادلة، ومؤسسات فاعلة، ومصالحة وطنية حقيقية، ورؤية أفريقية متجددة؟
مرآة للأجيال الجديدة
إن القيمة الكبرى لهذا الكتاب اليوم أنه يضع أمام شباب السودان مرآة مختلفة عن تلك التي صنعتها الحرب. فالشباب الذين نشأوا في ظل الأزمات والانقسامات والضيق الاقتصادي والهجرة والنزوح قد يظنون أن تاريخ السودان كله سلسلة من الفشل والحروب والفرص الضائعة. غير أن هذا الكتاب يقول لهم: كان للسودان وجه آخر. كان له دور، ومكانة، ورسالة، وحضور. كان اسمه يرد في قضايا التحرر، وفي المنابر الأفريقية والدولية، وفي ذاكرة مناضلين وقادة وشعوب وجدت فيه سندًا وظهيرًا. وهذه المعرفة ليست ترفًا تاريخيًا، بل هي ضرورة نفسية وطنية؛ فالأمم التي تنسى لحظات قوتها تفقد القدرة على تخيل مستقبل أفضل، والأجيال التي لا تعرف أن وطنها كان قادرًا على العطاء قد تستسلم لفكرة أنه لا يستطيع إلا أن يكون ساحة صراع.
تجديد الرسالة
لكن استعادة الماضي لا تعني تكراره كما كان. فالعالم تغير، وأفريقيا تغيرت، والسودان نفسه تغير. لم تعد حركات التحرر اليوم هي ذاتها التي كانت تقاتل الاستعمار المباشر أو نظام الفصل العنصري. صارت معارك القارة اليوم تدور حول بناء الدولة، والحكم الرشيد، والعدالة الانتقالية، والتنمية، ومكافحة الفقر، وإدارة التنوع، وحماية المدنيين، والسيادة على الموارد، والتحرر من التبعية الاقتصادية، وبناء سلام لا يقوم على التسويات الهشة وحدها. ولذلك فإن رسالة السودان الأفريقية الجديدة ينبغي ألا تكون مجرد استعادة لدبلوماسية الماضي، بل تجديدًا لها في ضوء تحديات الحاضر.
العودة إلى الذات
إن السودان لا يستطيع أن يعود إلى أفريقيا إلا إذا عاد أولاً إلى نفسه: إلى وحدته الداخلية، وإلى مصالحة شجاعة مع تنوعه، وإلى دولة تحترم مواطنيها، وإلى سياسة خارجية تنبع من مصلحة وطنية أخلاقية لا من اصطفافات عابرة. ولا تستطيع أفريقيا أن تستفيد من السودان إلا إذا نهض السودان من جديد بوصفه دولة مستقرة، ومجتمعًا متصالحًا، وجسرًا حقيقيًا بين أقاليم القارة وفضاءاتها الحضارية. فالخرطوم التي كانت ملتقى لحركات التحرر، وقاعاتها التي شهدت المؤتمرات واللقاءات، وذاكرتها التي تحفظ أسماء المناضلين واللاجئين والدبلوماسيين، قادرة أن تصبح مرة أخرى مركزًا للحوار الأفريقي، إذا امتلك السودانيون إرادة الخروج من الحرب وإعادة بناء وطنهم.
رسالة إلى الشباب
هذه الطبعة الثالثة موجهة، بصفة خاصة، إلى شباب السودان. إنها دعوة لهم كي يقرأوا تاريخ وطنهم ليس بعين الحنين فقط، بل بعين المسؤولية. فالماضي لا يمنح المجد لمن يكتفي بالانتساب إليه، وإنما يلزم من يرثه بأن يكون جديرًا به. وإذا كان جيل الاستقلال وما بعده قد رأى في حرية أفريقيا امتدادًا لحرية السودان، فإن جيل اليوم مدعو إلى أن يرى في إنقاذ السودان وإعادة بنائه مساهمة في إنقاذ أفريقيا من نموذج الدولة المنهكة بالحروب والانقسامات. إن استعادة دور السودان الأفريقي تبدأ من المدرسة والجامعة، ومن الوعي العام، ومن قراءة التاريخ قراءة نقدية، ومن الاعتراف بالأخطاء، ومن الإيمان بأن السودان لا يزال قادرًا على أن يكون أكثر من ساحة نزاع: قادرًا على أن يكون فكرة جامعة، ورسالة حضارية، وقوة خير في محيطه.
دروس من الماضي
لقد كتب من قدموا للطبعة الأولى أن هذا الكتاب إضافة مهمة للمكتبة السودانية والأفريقية، وأن موضوعه أصيل، وأنه يفتح بابًا كان ينبغي أن يُطرق منذ زمن. وبعد عشرين عامًا، تبدو هذه الكلمات أكثر إلحاحًا لا أقل. فالكتابة عن دور السودان في أفريقيا لم تعد مجرد إنصاف للماضي، بل أصبحت ضرورة لاستعادة المعنى في زمن الاضطراب. وإذا كان السودان قد دفع في الماضي ضريبة انتمائه الأفريقي من مواقفه ودبلوماسيته وموارده، فإنه يدفع اليوم ضريبة عجزه عن صيانة وحدته الداخلية. وبين الضريبتين تمتد عبرة كبرى: لا دور خارجيًا بلا تماسك داخلي، ولا رسالة قارية بلا دولة وطنية عادلة وقادرة.

وفاء ونداء
إن إعادة إصدار هذا الكتاب هي وفاء لذاكرة السودان الأفريقية، ووفاء لأولئك الذين آمنوا بأن حرية السودان لا تنفصل عن حرية أفريقيا، وأن كرامة السودانيين لا تنفصل عن كرامة شعوب القارة. وهي كذلك نداء إلى القارة الأم كي تنظر إلى السودان ليس بوصفه أزمة عابرة في نشرات الأخبار، بل بوصفه ركنًا أصيلًا من أركان تاريخها الحديث، وبلدًا أعطاها الكثير، ويستحق اليوم منها موقفًا يليق بذلك التاريخ.
ختاما
بين طبعة أولى صدرت والسودان يحتفي بخمسين عامًا من الاستقلال، وطبعة ثالثة تصدر والسودان يبحث عن طريقه وسط العاصفة، تبقى رسالة هذا الكتاب واضحة, أن السودان كان، ويمكن أن يكون مرة أخرى، بلدًا صاحب دور ورسالة، غير أن استعادة هذا الدور لن تأتي بالتمني، بل بإرادة وطنية جديدة، وبجيل يعرف ماضيه، ويفهم حاضره، ويستعد لصناعة مستقبل يليق بالسودان والقارة الأم.
كلمة أخيرة بينما أراجع صفحات هذا الكتاب استعدادًا لإصدار الطبعة الثالثة خلال زيارة أكاديمية لجامعة أكسفورد في المملكة المتحدة، وقفت -من خلال تجوالي في المتاحف والمكتبات- على كنوز من تاريخ وحضارة هذا البلد العظيم، مما زادني إيمانًا بأهمية إعادة تقديم هذه الشهادة التاريخية للأجيال الجديدة، وللقارئ الأفريقي والعالمي، كي يرى السودان في صورته الحقيقية: بلد الحضارة والتضامن والرسالة الإنسانية.

الدوحة
2026 يوليو

المقالة السابقة

بين ضغوط الهدنة وتحولات الميدان (27).. هل تفرض الوقائع العسكرية شروط السلام في السودان؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

المقالة التالية

من جهة اخرى .. ملاحم بطولات الجيش.. القائد أمر بالزحف .. عبود عبدالرحيم

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *