Popular Now

لا تهدروا انتصار الميدان على طاولة الخداع الدولي … مستشار هشام محمود سليمان

إغلاق المجال الجوي الجزائري أمام الطائرات الإماراتية: قراءة استراتيجية .. د. إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتجية

جذور وأوراق .. شهادة الموقف وأصالة الوجدان .. قراءة ثقافية في مقال الدكتور حمد عبدالعزيز الكواري ( السودان.. متى يستعيد عافيته؟ ).. موفق عبدالرحمن

إغلاق المجال الجوي الجزائري أمام الطائرات الإماراتية: قراءة استراتيجية .. د. إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتجية

في تطوّر استراتيجي غير مسبوق يعكس تحوّلاً عميقاً في بنية العلاقات الإقليمية، أعلنت وزارة الدفاع الوطني الجزائرية إغلاق المجال الجوي الوطني أمام كل الطائرات الإماراتية المدنية والعسكرية، ذهاباً وإياباً، ابتداءً من منتصف ليل 11 سبتمبر 2026. ويستثني القرار الرحلات الجوية المدنية التجارية المتجهة إلى مطار هواري بومدين الدولي، والتي ستستمر حتى نهاية العام الجاري، تاريخ انتهاء العقد التجاري المعمول به. ويأتي هذا الإجراء تتويجاً لمسار تصعيدي مدروس بدأ في فبراير 2026 بإطلاق الجزائر إجراءات إنهاء اتفاقية الخدمات الجوية الموقعة مع الإمارات عام 2013، وإبلاغ نظيرها الإماراتي ومنظمة الطيران المدني الدولي بذلك. غير أن هذا القرار لا ينبغي قراءته بوصفه مجرد ردّ فعل على خلاف دبلوماسي عابر، بل هو تعبير عن تحوّل استراتيجي أعمق في العقيدة الأمنية الجزائرية، وفي طبيعة الاصطفافات الإقليمية التي تعيد تشكيل خريطة النفوذ في شمال أفريقيا والساحل.

برّرت الخارجية الجزائرية خطوتها بـتزايد التصرفات الاستفزازية أو العدائية من جانب أبوظبي رغم التحذيرات العديدة ، مؤكدة أن هذه التصرفات بلغت حدوداً لم يعد من الممكن معها اعتبارها مقبولة أو قابلة للتحمل. وقد تم اعطاء السفير الإماراتي في الجزائر مهلة 48 ساعة للامتثال لقرار القطيعة، في خطوة تحمل دلالات رمزية بالغة. ويعكس هذا التسلسل أن القرار لم يكن مفاجئاً، بل حلقة في مسار مدروس بعناية، انتقل من ضبط النفس إلى المبادرة الاستباقية، ومن إدارة الخلاف إلى القطيعة الرسمية الشاملة.
وتكمن الخلفية الاستراتيجية الأعمق في ما تردده الأوساط السياسية والأمنية الجزائرية من أن الاستخبارات الجزائرية تمتلك أدلة موثقة على تعاون أبوظبي مع ما يُسمى في الجزائر بـ«محور الشر» الذي يضم المغرب وفرنسا وإسرائيل، في حملة حرب هجينة متعددة الأطراف تهدف إلى محاصرة الجزائر سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. ويستند هذا التقييم إلى قراءة جزائرية لتحالفات إقليمية تشكلت خلال السنوات الأخيرة، حيث ترى الجزائر أن ثلاثية استراتيجية تضم المغرب والإمارات وإسرائيل آخذة في التبلور، وتمثل تهديداً مباشراً لمصالحها الحيوية وأمنها القومي. وتتقاطع هذه القراءة مع مواقف خلافية جوهرية حول قضايا محورية، أبرزها ملف الصحراء الغربية، حيث تؤيد الإمارات السيادة المغربية بينما تدعم الجزائر حق تقرير المصير، وملف التطبيع مع إسرائيل، إذ ترفض الجزائر الاتفاقات الابراهيمية التي أقامت بموجبها الإمارات والمغرب علاقات دبلوماسية مع إسرائيل برعاية أمريكية عام 2020.
يمثل قرار إغلاق المجال الجوي أداة ضغط استراتيجية متعددة الأبعاد. فهو أولاً رسالة عسكرية واضحة تُجسّد قطيعة أمنية شاملة، إذ يمنع أي تعاون أو تنسيق جوي محتمل بين البلدين، ويرفع مستوى الحذر في التعامل مع أي تحركات جوية إماراتية في المنطقة. وثانياً، يُجسّد القرار إرادة سياسية في استخدام الأدوات السيادية كوسيلة للردع، مع الحفاظ على الحد الأدنى من التواصل الاقتصادي عبر استثناء الرحلات التجارية إلى مطار هواري بومدين، وهو ما يعكس واقعية القيادة الجزائرية في عدم إلحاق ضرر مباشر بمصالحها الاقتصادية المشروعة. وثالثاً، يحمل القرار بُعداً قانونياً دولياً، إذ يستند إلى الحق السيادي للدول في تنظيم مجالها الجوي وفقاً لاتفاقية شيكاغو للطيران المدني الدولي لعام 1944، التي تمنح كل دولة سيادة كاملة على مجالها الجوي. وهذا الاختيار القانوني يكشف عن رغبة جزائرية في تأطير الصراع ضمن أطر قانونية دولية، وتجنّب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تُستغل ضدها في المحافل الدولية.
ورابعاً، يحمل القرار بُعداً رمزياً بالغ الأهمية في السياق العربي والإسلامي، إذ يرسل رسالة إلى الدول العربية والإسلامية بأن الجزائر لم تعد تقبل بأن تكون ساحة للنفوذ الأجنبي، وأن السيادة الوطنية خط أحمر لا يحتمل التفاوض. وهذا البُعد الرمزي قد يكون الأكثر تأثيراً على المدى البعيد، لأنه يعيد تعريف مكانة الجزائر الإقليمية بوصفها قوة مستقلة قادرة على اتخاذ قرارات سيادية دون الرجوع إلى واشنطن أو حلفائها الخليجيين.
وقد جاء الرد الإماراتي مقتضباً ومتحفظاً، إذ أعربت الخارجية الإماراتية عن أملها في أن يكون القرار مؤقتاً ، مؤكدة تقديرها للعلاقات مع الشعب الجزائري. غير أن هذا الرد الرسمي تخللته إشارات أقل دبلوماسية، إذ صرّح أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، بأن العلاقات الدبلوماسية تُدار بالعقل، والتواصل و وضوح المصالح، لا بالألغاز والإشارات، في نبرة تعكس ارتباكاً إماراتياً إزاء الصلابة الجزائرية.
لا يمكن قراءة هذا التطور بمعزل عن التحولات الكبرى في الاستراتيجية الأمريكية، خاصة ما يطرحه المحلل الجيوسياسي الأمريكي أندرو كوريبيكو من تحليلات حول استعادة الهيمنة الأحادية الأمريكية. ويشير كوريبيكو في أطروحاته إلى أن استراتيجيات الأمن الأمريكية الجديدة لم تعد تقتصر على إدارة ميزان القوى، بل تسعى إلى إعادة ترسيخ تسلسل هرمي دولي واضح تتربع واشنطن على قمته، معتمدةً على شركائها الإقليميين بدلاً من الانخراط المباشر في حروب مكلفة.

وفي هذا الإطار، تُقرأ السياسات الإماراتية المتصاعدة في شمال أفريقيا والساحل بوصفها جزءاً من منظومة ضغط أوسع تمارسها واشنطن وحلفاؤها لاحتواء القوى الإقليمية التي تسعى إلى الاستقلال الاستراتيجي. وتشير أطروحات كوريبيكو إلى أن هذه الاستراتيجية غير المباشرة تُنفذ عبر التحالفات والعقوبات والاتفاقيات التجارية والضغط التكنولوجي، بهدف إحكام الإمبراطورية من بعيد . وفي هذا السياق، يُفسّر القرار الجزائري كخطوة سيادية في مواجهة هذه المنظومة الضاغطة، ورفضاً للدور الإماراتي بوصفه أداة تنفيذية لهذه الاستراتيجية في المنطقة.
غير أن قراءة كوريبيكو للدور الإماراتي لا تتوقف عند حدود الوظيفة التنفيذية، بل تشير إلى مفارقة أعمق: فالإمارات، التي بنت نفوذها على مدى عقود كوسيط محايد وقوة اقتصادية صاعدة، وجدت نفسها في عهد محمد بن زايد منخرطة في شبكة تحالفات إقليمية معقدة، أضعفت صورتها الإقليمية بدلاً من تعزيزها. ويؤكد كوريبيكو أن الإمارات فقدت في عهد محمد بن زايد الكثير من نفوذها وأصبحت مكروهة على نطاق واسع نتيجة سياساتها ، وهو تقييم يعكس واقعاً إقليمياً متحولاً، حيث باتت السياسات الإماراتية تواجه رفضاً متزايداً في عدة عواصم عربية وإسلامية.
يبدو أن التحالفات الإقليمية الجديدة التي سعت أبوظبي لبنائها، من خلال التقارب مع المغرب والتطبيع مع إسرائيل وتوسيع النفوذ في الساحل الأفريقي، لم تُترجم إلى مكاسب دبلوماسية مستدامة، بل أسهمت في إضعاف صورتها الإقليمية كوسيط محايد، وفي تعميق الانقسامات الجيوسياسية في منطقة كانت في أمسّ الحاجة إلى استقرار. وقد تجلّى هذا التراجع في عدة مؤشرات: تراجع دور الإمارات كوسيط في الأزمات الإقليمية، وتصاعد الانتقادات العربية والإسلامية لسياساتها، وفقدانها تدريجياً لقدرتها على التأثير في الملفات الحساسة مثل القضية الفلسطينية وملف الصحراء الغربية.
ويُضاف إلى ذلك أن النموذج الإماراتي في إدارة النفوذ، القائم على الاستثمارات الاقتصادية والتحالفات الأمنية مع قوى خارجية، أصبح يواجه تحديات متزايدة في بيئة إقليمية تتصاعد فيها المطالب بالسيادة والاستقلال الاستراتيجي. فالدول التي كانت تنظر إلى أبوظبي كشريك موثوق باتت ترى فيها طرفاً منحازاً في الصراعات الإقليمية، وهو ما يقلص هامش المناورة الإماراتي ويجعلها أكثر اعتماداً على الحماية الأمريكية. يشير هذا التطور إلى جملة استنتاجات استراتيجية منها
التحوّل في العقيدة الأمنية الجزائرية: الانتقال من ضبط النفس إلى المبادرة الاستباقية في مواجهة التهديدات، بما يعكس إدراكاً بأن الجغرافيا السياسية للتهديدات قد تغيرت، وأن الأدوات التقليدية لم تعد كافية. وهذا التحوّل قد يدفع الجزائر إلى تعزيز تحالفاتها مع قوى إقليمية ودولية أخرى، مثل روسيا والصين وتركيا، في إطار استراتيجية تنويع الشراكات.

استقلالية القرار الجزائري: القرار يعكس إرادة سياسية في عدم الارتهان للتحالفات الإقليمية الخليجية التقليدية، والمضي قدماً في مسار يخدم المصالح الوطنية العليا بغض النظر عن الاصطفافات الإقليمية وإعادة تشكيل موازين القوى في شمال أفريقيا: القطيعة مع الإمارات تعيد ترتيب التحالفات في المنطقة، وتمهد لتحالفات جديدة قائمة على المصالح المشتركة مع قوى إقليمية ودولية أخرى، وقد تدفع المغرب إلى إعادة تقييم حساباتها الاستراتيجية.
فالصراع على مناطق النفوذ في الساحل الأفريقي، التي شهدت تقاطعات بين المصالح الجزائرية والإماراتية، سيُعاد تعريفه في ضوء هذه القطيعة، خاصة في ظل التحولات السياسية والأمنية التي تشهدها منطقة الساحل ، فالقرار يضع الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي أمام اختبار حقيقي، إذ يكشف عن عجز الآليات الإقليمية عن احتواء الصراعات بين الدول الأعضاء، ويفتح الباب أمام تساؤلات حول دور هذه المنظومات في إدارة الأزمات الإقليمية.
يُشكّل إغلاق المجال الجوي الجزائري أمام الطائرات الإماراتية نقطة تحوّل في العلاقات الإقليمية، تتجاوز البُعد الثنائي لتلامس بنية النظام الإقليمي ككل. فالجزائر، بانتهاجها هذا المسار، لا تُدير أزمة ثنائية فحسب، بل تُعلن موقفاً استراتيجياً من مشروع إقليمي أوسع تشارك فيه الإمارات بوصفها رأس حربة لتحالفات مُعاد تشكيلها. وفي ظل التحولات العميقة في الاستراتيجية الأمريكية التي يرصدها محللون مثل أندرو كوريبيكو، تجد القوى الإقليمية نفسها أمام خيارات استراتيجية حاسمة: إما الانخراط في منظومة الهيمنة غير المباشرة، أو البحث عن مسارات مستقلة تحفظ مصالحها الوطنية. ويبدو أن الجزائر اختارت بوعي تام المسار الثاني، مُرسلةً رسالة مزدوجة: رسالة إلى أبوظبي بأن الجزائر ليست ساحة للنفوذ الأجنبي، ورسالة إلى واشنطن وحلفائها بأن السيادة الوطنية خط أحمر لا يحتمل التفاوض.
وفي الختام، فإن هذا القرار لا يمثل نهاية مسار، بل بداية مرحلة جديدة في العلاقات الإقليمية، ستُعيد تعريف التحالفات والاصطفافات في شمال أفريقيا والشرق الأوسط. وسيظل السؤال المفتوح: هل ستنجح الجزائر في ترجمة هذا القرار إلى مكاسب استراتيجية ملموسة، أم أن القطيعة ستفتح جبهات جديدة من المواجهة غير المباشرة؟ الإجابة على هذا السؤال ستتحدد خلال الأشهر المقبلة، في ضوء تطورات المشهد الإقليمي والدولي.

المقالة السابقة

جذور وأوراق .. شهادة الموقف وأصالة الوجدان .. قراءة ثقافية في مقال الدكتور حمد عبدالعزيز الكواري ( السودان.. متى يستعيد عافيته؟ ).. موفق عبدالرحمن

المقالة التالية

لا تهدروا انتصار الميدان على طاولة الخداع الدولي … مستشار هشام محمود سليمان

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *