مقدمة
في الوقت الذي تتصاعد فيه العمليات العسكرية في كردفان، وتتعرض العاصمة الخرطوم وأم درمان وبحري لهجمات واسعة بالطائرات المسيّرة، تتحرك الآلية الخماسية في الخرطوم للدفع باتجاه مسار سياسي جديد، وتعلن بوضوح أن الحرب في السودان لا يمكن حسمها عسكرياً.
هذا التطور يستحق قراءة تتجاوز التصريحات الدبلوماسية، فالقول بعدم وجود حل عسكري يمكن أن يكون مدخلاً ضرورياً لإنهاء الحرب، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالاً استراتيجياً بالغ الأهمية:
إذا كان الحل العسكري مرفوضاً دولياً، فما هو البديل؟ ومن يحدد شكل التسوية؟ ومن يضمن ألا تتحول التسوية السياسية إلى وسيلة لإعادة توزيع القوة داخل الدولة السودانية؟
وهنا تتقاطع التطورات السياسية مع مشروع توسيع حظر السلاح، والضغوط الدولية على الجيش، والتحركات الإقليمية ومساعي الحوار السوداني ـ السوداني.
أولاً: «لا حل عسكرياً».. العبارة التي تحتاج إلى تفكيك
أكدت الآلية الخماسية، خلال لقاءاتها في الخرطوم، قناعتها بأنه لا يوجد حل عسكري للصراع في السودان، وأن العملية السياسية المستدامة ينبغي أن تقترن بخطوات لحماية المدنيين.
من الناحية السياسية، تبدو العبارة منطقية، فالحروب الأهلية الطويلة لا تنتهي دائماً بانتصار عسكري كامل، وقد يكون التفاوض في النهاية ضرورياً.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول العبارة من: «الحرب يجب أن تنتهي سياسياً»
إلى: «لا ينبغي لأي طرف أن يحقق تفوقاً عسكرياً قبل التفاوض».
وهذان أمران مختلفان تماماً.
فالمفاوضات في الحروب لا تجري في فراغ، وإنما تتأثر دائماً بميزان القوة على الأرض، وبالتالي فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يوجد حل سياسي؟
بل: ما هو ميزان القوة الذي ستُبنى عليه التسوية السياسية؟
ثانياً: لماذا جاءت «الخماسية» الآن؟
تزامن تحرك الآلية الخماسية في الخرطوم مع مجموعة من التطورات شديدة الأهمية:
– استمرار القتال في كردفان.
– تراجع أو استسلام
– مجموعات من قوات الدعم السريع في بعض المحاور.
– تصاعد حرب المسيّرات.
– استمرار الضغوط الدولية على السودان.
– مشروع توسيع حظر السلاح ليشمل كامل البلاد.
– عودة ملف الأسلحة الكيميائية إلى الواجهة.
– محاولة إطلاق حوار سوداني من الداخل.
– الانقسام بين القوى المدنية حول شكل العملية السياسية.
وبالتالي فإن زيارة الخماسية لا يمكن قراءتها كتحرك منفصل، إنها تأتي في لحظة إعادة تشكيل للمشهد السوداني سياسياً وعسكرياً.
وقد التقت الآلية الخماسية رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء كامل إدريس ولجنة تهيئة الحوار، وبحثت مسار السلام والعملية السياسية.
ثالثاً: الحوار السوداني من الداخل.. المعركة السياسية الجديدة
المفارقة المهمة أن هناك الآن مسارين متوازيين:
المسار الأول:
حوار سوداني ـ سوداني من الداخل، تدفع باتجاهه القيادة السودانية.
المسار الثاني:
مسار دولي ـ إقليمي تسعى الآلية الخماسية إلى تهيئته من خلال مشاورات مع القوى المدنية والسياسية.
وهنا تظهر إحدى أخطر قضايا المرحلة:
من يملك حق تحديد المشاركين في الحوار؟
ومن يحدد:
– القوى السياسية؟
– القوى المدنية؟
– الحركات المسلحة؟
– الإدارات الأهلية؟
– الشباب؟
– النساء؟
– المجتمع المدني؟
– أطراف الحرب؟
– القوى التي كانت جزءاً من السلطة السابقة؟
– القوى التي ظهرت بعد الحرب؟
هذه ليست تفاصيل إجرائية.
إنها في جوهرها معركة على شرعية الدولة القادمة.
وقد أظهرت النقاشات السابقة حول الخماسية أن الخلاف حول التمثيل والعملية السياسية لا يزال عميقاً بين القوى السودانية.
—
رابعاً: لماذا يكتسب الحوار من الداخل أهمية استراتيجية؟
الحوار السوداني من الداخل، إذا أُدير بصورة شاملة ومستقلة، يمكن أن يمثل أحد أهم المخارج من تدويل الأزمة.
فالسودان لا يحتاج إلى حوار تنتجه العواصم الخارجية، بل يحتاج إلى حوار سوداني يستفيد من الدعم الدولي دون أن يتحول إلى وصاية دولية.
وهنا يجب التمييز بين:
المساعدة الدولية وإدارة القرار السوداني من الخارج، فالآلية الخماسية يمكن أن تساعد في جمع الأطراف وتوفير الضمانات والدعم الدولي، لكن القرار النهائي حول شكل الدولة والنظام السياسي والمؤسسات العسكرية والدستورية يجب أن يكون سودانياً.
خامساً: كردفان.. الميدان الذي قد يغير الحسابات السياسية
في الوقت الذي تتحدث فيه الخماسية عن غياب الحل العسكري، تشهد كردفان تطورات ميدانية مهمة.
وأعلن الجيش السوداني استسلام 45 عنصراً من الدعم السريع، بينهم ضباط برتب رفيعة، بكامل عتادهم وآلياتهم العسكرية في شمال كردفان، وفق ما نقلته مصادر إعلامية عن الجيش.
ولا ينبغي تضخيم دلالة حادثة واحدة، لكنها تكشف شيئاً مهماً: الميدان لم يتوقف.
ففي الوقت الذي يتحرك فيه الدبلوماسيون على طاولة الحوار، يستمر العسكريون في محاولة تحسين مواقعهم على الأرض.
وهذا يعني أن الطرفين ــ أو القوى المؤثرة فيهما ــ يدخلان العملية السياسية وهما يحاولان أولاً تحسين شروطهما العسكرية.
سادساً: حرب المسيّرات.. الحرب الجديدة على الدولة
التطور الأخطر ربما لا يتمثل فقط في معارك كردفان، بل في انتقال حرب المسيّرات إلى قلب العاصمة.
فقد شهدت الخرطوم وأم درمان وبحري في 10 سبتمبر هجمات واسعة بالطائرات المسيّرة، تصدت لها الدفاعات الجوية، وفق تقارير محلية.
وهنا تظهر قضية استراتيجية مهمة: المسيّرات أصبحت أداة لإعادة تشكيل ميزان القوة داخل الحرب السودانية.
فالطائرة المسيّرة لا تحتاج إلى جيش كبير.
ويمكن لقوة غير نظامية أن تستخدمها لضرب:
– المطارات.
– المراكز العسكرية.
– المنشآت الحكومية.
– محطات الكهرباء.
– البنية التحتية.
– المدن.
وحتى الأهداف المدنية.
ولهذا فإن إدخال المسيّرات وتقنياتها ضمن نقاش حظر السلاح الدولي ليس تفصيلاً فنياً.
إنه جزء من معركة السيطرة على التفوق التكنولوجي في الحرب.
سابعاً: المفارقة بين حظر السلاح وحرب المسيّرات
هنا نعود إلى القضية التي طرحناها في المقال الأول.
إذا كان المجتمع الدولي يريد فعلاً وقف الحرب، فإن السؤال يجب أن يكون:
هل يمكن وقف جميع قنوات التسليح لجميع الأطراف؟
أم أن الحظر سيؤثر بصورة أكبر في القوات المسلحة باعتبارها مؤسسة دولة تعتمد على قنوات التسليح الرسمية، بينما تستطيع القوى غير النظامية الاعتماد على:
– شبكات التهريب.
– الوسطاء.
– الشركات الخاصة.
– الحدود المفتوحة.
– الأسواق غير الرسمية.
– الدعم الخارجي غير المعلن.
وهذه نقطة تحتاج إلى دراسة دقيقة، لأن حظر السلاح غير المتوازن قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تماماً عن الهدف المعلن.
ثامناً: من إضعاف الجيش إلى إضعاف الدولة
هذه هي الحلقة الأساسية في السلسلة.
الجيش في الدولة الحديثة ليس مجرد طرف في الحرب.
إنه أحد مكونات الدولة السيادية.
وعندما تكون الدولة في حرب مع قوة مسلحة موازية، فإن إضعاف المؤسسة العسكرية دون تفكيك القوة المقابلة لا يعني بالضرورة إنهاء الحرب، بل يمكن أن يؤدي إلى فراغ أمني. والفراغ الأمني يمكن أن يقود إلى:
– تعدد مراكز القوة.
– توسع مناطق النفوذ.
– ظهور سلطات محلية مسلحة.
– زيادة التدخل الخارجي.
– تفكك المؤسسات المركزية.
– انهيار احتكار الدولة للسلاح.
– تحول السودان إلى دولة ذات سيادة منقوصة.
وهنا يصبح شعار:
«لا حل عسكري»
بحاجة إلى صياغة أكثر دقة لا حل عسكري دائم للحرب، لكن لا يمكن بناء السلام على إلغاء ميزان القوة الذي يحمي الدولة.
تاسعاً: هل تريد الخماسية إنهاء الحرب أم إعادة هندسة النظام السياسي؟
لا توجد أدلة كافية للقول إن الآلية الخماسية جاءت إلى الخرطوم بهدف تفكيك الجيش أو الدولة، بل إن خطابها المعلن يركز على السلام وحماية المدنيين والحوار.
لكن التحليل الاستراتيجي لا يكتفي بالنوايا المعلنة.
بل يدرس:
النتائج المحتملة للسياسات.
فإذا أدى المسار السياسي إلى:
– إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية من الخارج،
– فرض ترتيبات أمنية غير متوافق عليها،
– دمج قوى مسلحة دون توافق وطني،
– منح الشرعية السياسية لقوى مسلحة،
– أو فرض صيغة سياسية لا تحظى بقبول واسع،
فإن النتيجة قد تكون إعادة إنتاج الأزمة بصورة جديدة.
عاشراً: معركة الشرعية.. أخطر من معركة السلاح
الحرب السودانية دخلت مرحلة جديدة.
لم تعد المعركة فقط على الأرض.
بل أصبحت معركة على:
– الشرعية العسكرية
من يمثل الدولة؟
– الشرعية السياسية
من يمثل الشعب؟
– الشرعية الدولية
من تعترف به المؤسسات الدولية؟
– الشرعية الشعبية
من يحظى بقبول السودانيين؟
– الشرعية القانونية
من يملك حق حمل السلاح؟
وهذه المستويات الخمسة ستحدد شكل السودان بعد الحرب.
الحادي عشر: لماذا يجب أن يكون الحوار سودانياً؟
إذا كان المجتمع الدولي مقتنعاً بأن الحرب لا يمكن أن تنتهي عسكرياً، فإن أفضل دعم يمكن تقديمه للسودان هو: مساعدة السودانيين على التفاوض، وليس التفاوض نيابة عنهم.
ويجب أن تكون الأولويات:
– وقف إطلاق النار.
– حماية المدنيين.
– فتح الممرات الإنسانية.
– وقف الدعم الخارجي للأطراف المسلحة.
– منع إنشاء حكومات موازية.
– الحفاظ على وحدة السودان.
– الحفاظ على مؤسسات الدولة.
– الوصول إلى ترتيبات أمنية وطنية.
– إطلاق حوار سوداني شامل.
– إجراء ترتيبات سياسية انتقالية متوافق عليها.
الثاني عشر: الاستسلامات والانشقاقات.. ماذا تعني؟
الاستسلامات المتكررة في بعض مناطق القتال تحمل دلالة عسكرية وسياسية.
عسكرياً، تعني وجود ضغوط على بعض تشكيلات الدعم السريع.
وسياسياً، تعني أن استمرار الحرب قد بدأ يخلق داخل بعض المجموعات المسلحة حسابات جديدة حول جدوى القتال.
لكن الخطأ هو الاعتقاد أن الاستسلامات وحدها تعني نهاية الحرب.
فالانتقال من تفكك مجموعة مسلحة إلى تفكك منظومة الحرب يحتاج إلى تسوية سياسية وأمنية متكاملة.
الثالث عشر: السيناريوهات الثلاثة
السيناريو الأول: التسوية الوطنية
يتحقق إذا نجح الحوار السوداني في استيعاب القوى السياسية والمجتمعية، مع دعم إقليمي ودولي غير وصائي.
النتيجة:
وقف الحرب + إعادة بناء الدولة + مؤسسة عسكرية وطنية + انتقال سياسي.
وهذا هو السيناريو الأفضل.
السيناريو الثاني: التسوية المفروضة
تُفرض صيغة سياسية تحت ضغط دولي، مع ترتيبات أمنية وسياسية لا تحظى بتوافق سوداني واسع.
النتيجة المحتملة:
هدوء مؤقت، ثم عودة الصراع بصورة جديدة.
السيناريو الثالث: تفكيك الدولة
يستمر استنزاف الجيش والمؤسسات، وتتوسع القوى المسلحة، وتتعدد مراكز النفو وتتدخل القوى الخارجية بصورة أكبر.
النتيجة:
سودان ضعيف، متعدد مراكز القوة، وقد يدخل مرحلة طويلة من الصراع منخفض الشدة.
وهذا هو السيناريو الذي يجب التحذير منه بشدة.
الرابع عشر: الاستشراف الاستراتيجي
المؤشرات الحالية تقول إن السودان يدخل مرحلة التفاوض تحت النار.:
الدبلوماسية تتحرك، والجيش يقاتل، والدعم السريع يحاول الحفاظ على قدراته، والطائرات المسيّرة تضرب العاصمة، والضغوط الدولية تتزايد والحوار الداخلي يحاول أن يجد لنفسه موطئ قدم.
وبالتالي فإن الأسابيع والأشهر القادمة قد تكون حاسمة.
إذا استطاعت الدولة تحقيق تقدم عسكري وأمني مع فتح باب تفاوض وطني حقيقي، فإنها قد تدخل المفاوضات من موقع أكثر تماسكاً.
أما إذا تم إضعاف الدولة عسكرياً وسياسياً قبل الوصول إلى التسوية، فقد تدخل المفاوضات وهي أمام واقع أكثر تعقيداً.
الخلاصة
القضية ليست: جيش أم سلام؟ ولا: حرب أم حوار؟
القضية الحقيقية هي:
أي سلام؟ وأي جيش؟ وأي دولة؟
السلام الذي يؤدي إلى إعادة بناء الدولة هو السلام المطلوب، أما السلام الذي ينتج دولة ضعيفة وجيشاً مفككاً ومراكز قوة مسلحة متعددة، فلن يكون سلاماً مستداماً.
ومن هنا فإن العبارة التي يجب أن تكون حاضرة في كل مسار دولي وإقليمي بشأن السودان هي:
> **إنهاء الحرب لا يعني إضعاف الدولة، والسلام لا يعني تفكيك مؤسساتها، والانتقال السياسي لا يمكن أن ينجح في ظل تعدد الجيوش.**
وإذا كان المجتمع الدولي يريد فعلاً إنهاء الحرب في السودان، فإن الاختبار الحقيقي ليس في عدد المؤتمرات والآليات والمبادرات.
بل في سؤال واحد:
هل سيساعد السودان على بناء دولة واحدة بجيش وطني واحد، أم سيقود مسار التسوية إلى توزيع القوة بين مراكز مسلحة متعددة؟
وهنا تحديداً تكمن المعركة الحقيقية.


