مقدمة
تدخل الحرب السودانية مرحلة تتداخل فيها التطورات العسكرية مع الضغوط السياسية والدبلوماسية والتداعيات الإقليمية، خصوصاً مع تصاعد القتال في شمال كردفان، واستمرار حرب المسيّرات، وتصاعد الأزمة الإثيوبية على الحدود الشرقية.
وفي الوقت نفسه، أحدث منع رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان من الحصول على تأشيرة الدخول إلى الولايات المتحدة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة جدلاً سياسياً واسعاً، في ظل ارتباط الخطوة، وفق مصادر نقلتها رويترز، بموقف الخرطوم من مقترح الهدنة الأميركية لمدة 90 يوماً.
وبذلك أصبح المشهد السوداني يتحرك على ثلاثة مسارات متوازية: الميدان، والتسوية السياسية، والبيئة الإقليمية.
المحور الأول: شمال كردفان يعيد ترتيب الخريطة العسكرية
تمثل التطورات في شمال كردفان أحد أبرز التحولات الميدانية الأخيرة.
فقد أعلن الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه السيطرة على منطقة سودري بعد معارك مع قوات الدعم السريع، بينما تشير التقارير إلى استمرار الضغط باتجاه المزروب وحمرة الشيخ وأم بادر. وتكتسب سودري أهمية بسبب موقعها على طرق تربط كردفان بدارفور وتؤثر في خطوط الحركة والإمداد.
وتشير المعطيات إلى أن مساحة انتشار الدعم السريع في شمال كردفان تقلصت، مع بقاء وجوده بصورة أساسية في مناطق المزروب وأم بادر، وفق مصادر ميدانية.
التقدير:
إذا استمر هذا الاتجاه العسكري، فقد تتحول شمال كردفان من منطقة دفاعية إلى محور ضغط باتجاه دارفور، لكن ذلك لا يعني تلقائياً حسم الحرب، لأن طبيعة جبهات دارفور واتساعها تختلف عن جبهات وسط السودان.
المحور الثاني: من السيطرة على الأرض إلى حرب المسيّرات
رغم التقدم البري في كردفان، لم تتوقف الحرب الجوية.
فقد أعلن الجيش إسقاط طائرات مسيّرة بعيدة المدى في شمال كردفان، فيما استمرت الهجمات بالطائرات المسيّرة على مواقع عسكرية ومدن ومنشآت حيوية. وتشير تقارير حديثة إلى إسقاط عدد من المسيّرات خلال الأسابيع الأخيرة في كردفان والنيل الأزرق وشمال دارفور.
كما وردت تقارير عن سقوط ضحايا مدنيين في المزروب نتيجة ضربة بطائرة مسيّرة، إلا أن أعداد الضحايا ومصدر الضربة لم يتم التحقق منهما بصورة مستقلة.
التقدير:
المسيّرات أصبحت أداة لتعويض صعوبة الحسم البري، واستهداف العمق اللوجستي والاقتصادي، ولذلك فإن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيداً من التركيز على الوقود والطرق والمطارات ومراكز الاتصالات بدلاً من الاقتصار على خطوط الجبهة التقليدية.
المحور الثالث: منع البرهان من نيويورك وتحول التأشيرة إلى أزمة سياسية
منعت الولايات المتحدة البرهان من الحصول على تأشيرة المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وبحسب مصادر سودانية وغربية نقلتها رويترز، ارتبط القرار بمقترح أميركي لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، وهو ما رفضته الخرطوم.
ثم تصاعد الخلاف بعد تصريحات أميركية قالت إن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وكذلك قيادتا الطرفين، لا تمثلان ــ من وجهة النظر الأميركية ــ حكومة دستورية شرعية للسودان، وهو ما رفضته وزارة الخارجية السودانية مؤكدة سيادة الدولة ووحدة مؤسساتها.
التقدير:
القضية لم تعد مرتبطة بالسفر إلى نيويورك فقط، وإنما أصبحت جزءاً من خلاف أوسع حول طبيعة السلطة السودانية، وشروط التسوية، ومن يملك حق تمثيل الدولة في المرحلة الانتقالية.
المحور الرابع: مسعد بولس والهدنة ذات التسعين يوماً
تتمحور المبادرة الأميركية التي يقودها مسعد بولس حول هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً، تمهيداً لوقف دائم للقتال ومسار سياسي.
وقد أكد بولس استمرار الاتصالات الأميركية مع الطرفين، كما تحدث عن استخدام العقوبات وتوسيع حظر السلاح والضغط الاقتصادي كأدوات لدفع الأطراف نحو التسوية.
لكن السؤال العملي يظل: ماذا بعد إعلان الهدنة؟
فالهدنة تحتاج إلى:
– آلية مراقبة واضحة.
– ضمانات لعدم إعادة التموضع العسكري.
– ترتيبات لإيصال المساعدات.
– تحديد مواقع القوات والأسلحة الثقيلة.
– معالجة وضع دارفور وكردفان.
– ضمانات سياسية لاحقة لوقف الحرب.
التقدير:
إذا لم تتحول الهدنة إلى آلية تنفيذية شاملة، فإنها قد تتحول إلى فترة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب القوات، بدلاً من أن تكون مدخلاً حقيقياً لإنهاء الحرب.
المحور الخامس: هل قدمت واشنطن جديداً في الأزمة السودانية؟
الموقف الأميركي الحالي يبدو أكثر ضغطاً على طرفي الحرب، لكنه لا يزال يدور حول وقف إطلاق النار، حماية المدنيين، المسار السياسي، والعقوبات وحظر السلاح.
كما قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن جهود الوساطة محبطة بسبب عدم التزام الأطراف بتعهداتها، وأشار إلى وجود أطراف خارجية تؤثر في استمرار الحرب.
وفي المقابل، أعلن بولس أن واشنطن ما زالت على اتصال بالطرفين، وهو ما يعني أن الولايات المتحدة لم تغلق الباب أمام التفاوض مع أي منهما.
التقدير:
المسألة الأساسية ليست ما إذا كانت واشنطن تضغط، وإنما مدى قدرتها على تحويل الضغط إلى اتفاق قابل للتنفيذ، خصوصاً أن الحرب أصبحت مرتبطة بشبكات دعم إقليمية ومصالح اقتصادية وعسكرية تتجاوز طرفي النزاع.
المحور السادس: دارفور هي الاختبار الحقيقي لأي تسوية
حتى إذا نجحت الوساطات في الوصول إلى هدنة مؤقتة، فإن دارفور ستظل الاختبار الأصعب.
فالمنطقة ليست مجرد جبهة عسكرية، وإنما ترتبط بملفات النازحين واللاجئين، والإدارة المحلية، والسلاح، والموارد، والعلاقات القبلية، ومستقبل العلاقة بين المركز والأقاليم.
لذلك فإن أي تسوية تتجاهل الواقع العسكري والسياسي في دارفور ستكون ناقصة.
التقدير:
قد يكون الوصول إلى هدنة عامة أسهل من الوصول إلى ترتيبات مستقرة داخل دارفور؛ لأن وقف إطلاق النار لا يحسم وحده سؤال السيطرة والإدارة والأمن ومستقبل القوات الموجودة على الأرض.
المحور السابع: إثيوبيا تفتح جبهة إقليمية جديدة
التطور الأخطر خارج السودان يتمثل في تصاعد القتال في شمال إثيوبيا.
وقد أفادت تقارير حديثة بأن قوات تيغراي سيطرت على إيريبتي في إقليم عفر وتقدمت باتجاه مناطق أخرى، في وقت تجددت فيه المواجهات بين جبهة تحرير شعب تيغراي والقوات الحكومية الإثيوبية. كما أن التحالف الذي يضم تيغراي وقوى مسلحة من مناطق إثيوبية أخرى يضيف بعداً جديداً إلى الأزمة.
وتكتسب عفر أهمية استراتيجية بسبب ارتباطها بممر جيبوتي، الذي يمثل الطريق الرئيسي للتجارة والواردات الإثيوبية.
التقدير:
إذا اتسعت العمليات في عفر، فقد لا تبقى الأزمة إثيوبية داخلية، وإنما تتحول إلى أزمة تمس طرق التجارة والبحر الأحمر وممرات السلاح والهجرة والحدود السودانية.
المحور الثامن: الاتهامات المتبادلة بين إثيوبيا والسودان
اتهم قائد الجيش الإثيوبي السودان ومصر وأطرافاً أخرى بدعم القوات المناوئة للحكومة، بينما رفض الجيش السوداني هذه الاتهامات ووصفها بأنها بلا أساس.
وفي المقابل، اتهم السودان قوات الدعم السريع بتلقي دعم وتدريب وإمداد من داخل الأراضي الإثيوبية، بما في ذلك أنشطة مرتبطة بالطائرات المسيّرة.
وهذه الاتهامات المتبادلة لا تعني بذاتها ثبوت أي منها، لكنها تكشف درجة ارتفاع التوتر بين البلدين.
التقدير:
استمرار الحرب الإثيوبية بالتزامن مع الحرب السودانية قد يخلق بيئة أمنية شديدة التعقيد على الحدود الشرقية، ويزيد مخاطر النزوح وتجارة السلاح والتهريب والجريمة العابرة للحدود.
المحور التاسع: السودان بين الحرب الداخلية والبيئة الإقليمية
لم تعد الحرب السودانية منفصلة عن محيطها.
فالسودان يتأثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة بما يجري في:
إثيوبيا شرقاً، جنوب السودان جنوباً، تشاد غرباً، ليبيا شمال غرب، ومصر والبحر الأحمر شمالاً وشرقاً.
كما أن التطورات العسكرية في كردفان تتقاطع مع الوضع في دارفور، بينما ترتبط التطورات الإثيوبية بممرات البحر الأحمر وجيبوتي.
ومن هنا يمكن تقسيم الصراع إلى أربع دوائر:
الدائرة العسكرية: كردفان ودارفور والجزيرة.
الدائرة السياسية: الهدنة والوساطات وموقف واشنطن.
الدائرة الإقليمية: إثيوبيا، وتشاد، وجنوب السودان، وليبيا، ومصر والبحر الأحمر.
الدائرة الدولية: الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والدول الداعمة والمتنافسة.
التقدير:
أي تسوية سودانية مستدامة تحتاج إلى التعامل مع الدوائر الأربع في وقت واحد، لأن تجاهل البعد الإقليمي قد يسمح بإعادة إنتاج الحرب حتى بعد توقيع أي اتفاق داخلي.
المحور العاشر: ماذا بعد منع البرهان والهدنة والتصعيد الإثيوبي؟
المشهد الحالي لا يشير بعد إلى نهاية قريبة للحرب، وإنما إلى مرحلة إعادة ترتيب للمواقع العسكرية والسياسية والإقليمية.
فميدانياً، يواصل الجيش تحقيق مكاسب في أجزاء من شمال كردفان، بينما يحتفظ الدعم السريع بقدرة على استخدام المسيّرات والضغط على مناطق ومنشآت خلف خطوط القتال.
وسياسياً، تحاول واشنطن دفع الأطراف نحو هدنة لمدة 90 يوماً، لكنها في الوقت نفسه تستخدم أدوات ضغط إضافية، بينها العقوبات ومحاولة توسيع حظر السلاح.
أما إقليمياً، فإن تجدد القتال في إثيوبيا، ولا سيما في تيغراي وعفر، قد يضيف عاملاً جديداً إلى الحسابات السودانية.
الخلاصة
الحرب السودانية تدخل مرحلة تتجاوز فيها حدودها العسكرية التقليدية.
فـكردفان تحدد جانباً من ميزان القوة داخل السودان، ودارفور تحدد صعوبة التسوية، وواشنطن تضغط باتجاه الهدنة، بينما تعيد إثيوبيا رسم البيئة الأمنية على الحدود الشرقية.
أما أزمة منع البرهان من المشاركة في الجمعية العامة، فقد كشفت أن المعركة لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة حول التمثيل السياسي، والسيادة، ومستقبل مؤسسات الدولة.
ومن ثم فإن السؤال الحقيقي للمرحلة المقبلة ليس فقط: هل تتوقف الحرب لمدة 90 يوماً؟
بل: هل يمكن تحويل أي هدنة إلى اتفاق شامل يعيد بناء الدولة السودانية، أم ستكون مجرد هدنة لإعادة ترتيب مواقع الحرب؟
وفي الوقت ذاته، فإن تطورات إثيوبيا تستحق متابعة خاصة، لأن اتساع القتال في تيغراي وعفر قد يحول الحدود الشرقية للسودان من منطقة متأثرة بالحرب إلى جبهة إقليمية جديدة لها انعكاسات مباشرة على الأمن السوداني، والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.


