جنوب ليبيا منطقة عدم استقرار مزمن، تعاني من صراعات طويلة وممتدة ومفجعة في آن واحد. وترجع جذور هذه الأزمة إلى هشاشة الدولة الليبية، وضعف مؤسساتها، وتراجع قدرتها على توفير الخدمات الأساسية وتطبيق القانون، فضلاً عن تصاعد التنافس بين المكونات الاجتماعية على السلطة والموارد والنفوذ.
وقد أسهمت هذه العوامل مجتمعة في تحويل إقليم فزان إلى ساحة تتداخل فيها المظالم التاريخية مع الصراعات القبلية والإثنية، وتتشابك فيها المصالح المحلية مع الحسابات السياسية والعسكرية للقوى المتنافسة على حكم ليبيا.
ولم يعد بالإمكان فهم ما يجري في الجنوب الليبي باعتباره مجرد امتداد للصراع السياسي والعسكري بين الشرق والغرب، أو نتيجة طبيعية للاختلافات بين القبائل والمكونات الإثنية. ففي تقديري، نحن أمام أزمة مركبة تتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد غير الرسمي، وأزمة المواطنة مع انهيار المؤسسات، والتنافس المحلي مع صراع النفوذ الإقليمي. وهذه المستويات المتشابكة هي التي تمنح الأزمة قدرتها على الاستمرار، حتى عندما تتغير التحالفات وتتبدل موازين القوة على الأرض.
لقد أسهم انتشار شبكات التهريب، والاتجار بالبشر، والسلاح والمخدرات في تعزيز اقتصاد موازٍ يستفيد من ضعف الرقابة الحكومية، واتساع المجال الصحراوي وصعوبة ضبط الحدود. وأصبحت السيطرة على بعض الطرق والمنافذ ومناطق العبور مصدراً للنفوذ والموارد، بما جعل بعض الجماعات المسلحة قادرة على تحويل حضورها الميداني إلى قوة اقتصادية وسياسية. وفي ظل هذا الواقع، لم تعد الحدود مجرد خطوط جغرافية تفصل بين الدول، بل تحولت إلى مساحات تتنافس فيها شبكات المصالح، وتلتقي عندها أنشطة التجارة المشروعة وغير المشروعة.
ومن المفيد هنا استحضار رؤية المفكر السياسي توماس هوبز، الذي ربط في كتابه «اللفياثان» بين وجود السلطة السياسية وقدرتها على توفير الأمن وبين إمكانية قيام حياة اجتماعية مستقرة. ولا يعني ذلك أن المجتمعات الليبية تفتقر إلى التنظيم أو أن العلاقات القبلية عاجزة بطبيعتها عن إنتاج الاستقرار، وإنما المقصود أن غياب سلطة عامة موحدة، قادرة على تطبيق القانون على الجميع، يفتح المجال أمام قوى محلية متعددة لفرض قواعدها الخاصة. وحين تتعدد الجهات التي تحتكر القوة وتتنافس على شرعية الحكم، تصبح حياة المواطنين رهينة موازين القوى المتغيرة، بدلاً من أن تكون محكومة بقواعد قانونية مستقرة.
وتتضح هذه المعضلة في الكفرة وسبها وأوباري، حيث تتداخل العلاقات الاجتماعية مع السيطرة على المجال الجغرافي ومصادر الدخل.
ففي الكفرة، يبرز التنافس بين التبو والزوية ضمن سياق أوسع يرتبط بالتمثيل المحلي والسيطرة على طرق التجارة والعبور الحدودي. وفي سبها، تتشابك علاقات أولاد سليمان، والقذاذفة، والتبو، و الطوارق، والمقارحة والحساونة وغيرها من المكونات مع التحولات التي شهدتها المدينة بعد سقوط نظام القذافي. أما أوباري، فقد عرفت مواجهات دامية بين مجموعات من التبو والطوارق، في ظل تنافس على النفوذ والمواقع الاستراتيجية والموارد.
وتؤكد هذه التجارب أن الصراع لا يمكن تفسيره بالهوية وحدها، فالانتماء القبلي والإثني يمثل إطاراً مهماً للتضامن الاجتماعي، لكنه قد يتحول إلى أداة للتعبئة العسكرية عندما تضعف مؤسسات الدولة وتغيب الضمانات القانونية المتساوية. وفي مثل هذه الظروف، قد يشعر أبناء جماعة معينة بأن أمنهم ومصالحهم لا يمكن ضمانهما إلا من خلال قوة مسلحة تنتمي إلى جماعتهم، فتسعى الجماعات الأخرى إلى بناء قدرات مماثلة، وتتولد دائرة متبادلة من الخوف والتسلح وانعدام الثقة.
وقد أشار تقرير مركز تشاتام هاوس عن تطور الجماعات المسلحة في ليبيا إلى أن مناطق الجنوب تتميز بأهمية العلاقات القبلية والاجتماعية في إدارة الشؤون المحلية، وأن النفوذ الرسمي للدولة يتداخل مع سلطة القيادات الاجتماعية والتقاليد المحلية. كما أوضح أن التنافس على النفوذ والموارد كثيراً ما اتخذ طابعاً عنيفاً، في ظل تفاوت القوة بين المكونات الاجتماعية وضعف مؤسسات الحكم.
وفي رأيي، فإن إحدى المعضلات التاريخية التي ورثها الجنوب الليبي من عهد معمر القذافي تتمثل في أزمة المواطنة والاعتراف القانوني والتمثيل المتكافئ. فقد اتسمت إدارة النظام السابق للتنوع الاجتماعي في جوانب منها بتوظيف الولاءات المحلية والتفاوت في توزيع الامتيازات، الأمر الذي ترك آثاراً عميقة في العلاقات بين المكونات المختلفة. وبرزت هذه الإشكالية بصورة خاصة في أوضاع قطاعات من التبو والطوارق الذين واجه بعض أبنائهم مشكلات تتعلق بالجنسية، والوثائق الرسمية والحقوق المرتبطة بالمواطنة.
وقد استمرت أجزاء من هذه المعضلة بعد سقوط النظام عام 2011، في ظل عدم قدرة السلطات المتعاقبة على بناء منظومة وطنية مستقرة لمعالجة ملفات الجنسية والحقوق والتمثيل. وهكذا بقيت بعض المظالم التاريخية حاضرة في الوعي الاجتماعي، وأصبحت قابلة للاستثمار السياسي والعسكري، خصوصاً عندما تسعى قوى متنافسة إلى استمالة جماعات تشعر بالتهميش أو انعدام الحماية.
ويقتضي الإنصاف، في هذا السياق، عدم اختزال التبو أو الطوارق أو القبائل العربية في مواقف سياسية واحدة، فداخل كل مكون تنوع في المصالح والتوجهات والتحالفات. كما أن التنافس بين هذه المكونات لا يلغي تاريخ التفاعل والتجارة والتعايش الذي جمع بينها عبر أجيال. إن المشكلة الأساسية ليست في وجود الاختلاف، بل في غياب المؤسسات القادرة على إدارة الاختلاف وحماية الحقوق دون تمييز.
وتزداد الأزمة تعقيداً بفعل الموقع الجغرافي لفزان الذي يجعله حلقة وصل بين شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء. فالمجال الصحراوي المفتوح، والحدود الممتدة مع تشاد والنيجر والجزائر والسودان، والقرب من الحقول النفطية، كلها عوامل تمنح الجنوب قيمة استراتيجية تتجاوز حجمه السكاني. ولذلك، فإن السيطرة على سبها، وأوباري، والكفرة ومحيط المنشآت النفطية والطرق العابرة للحدود تمنح القوى المسلحة أوراق ضغط تتصل بالأمن والاقتصاد والسياسة في آن واحد.
وهنا تبرز أهمية مفهوم مركز الثقل في الفكر العسكري لكارل فون كلاوزفيتز. فمركز الثقل لا يتمثل بالضرورة في مدينة أو موقع عسكري محدد، بل قد يكون مجموعة من القدرات والعلاقات التي يستمد منها الفاعل قوته. وبالقياس على الحالة الليبية، فإن النفوذ في الجنوب لا يتحدد بالسيطرة على الأرض وحدها، بل بالقدرة على التأثير في شبكات الحركة والموارد والتحالفات المحلية. ومن ينجح في الجمع بين هذه العناصر يستطيع أن يحول الوجود العسكري إلى نفوذ سياسي واقتصادي أوسع.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم جانب من استراتيجية خليفة حفتر في توسيع نفوذه جنوباً منذ عام 2016، من خلال استقطاب بعض المجموعات المسلحة والقيادات المحلية وإدماجها في منظومته العسكرية. فقد أتاحت هذه السياسة لقواته تعزيز حضورها في مناطق متعددة، مستفيدة من العلاقات القبلية ومن رغبة بعض الجماعات في الحصول على الحماية والموارد والرواتب، فضلاً عن سعيها إلى تحسين موقعها في موازين القوى المحلية.
لكن التحالفات التي تقوم على المصالح الآنية لا تضمن بالضرورة ولاءً دائماً، كما أن توسيع السيطرة العسكرية لا يعني تلقائياً بناء دولة مستقرة، فقد تحتفظ الجماعات المحلية باستقلالية في قراراتها وشبكاتها الاجتماعية والاقتصادية، وقد تتغير مواقفها عندما تتبدل الظروف أو تتعارض مصالحها مع حسابات القيادة التي تحالفت معها.
ومن هنا، فإن مستقبل فزان يتوقف إلى حد بعيد على طبيعة العلاقة بين القوة العسكرية والمجتمعات المحلية. فإذا استُخدمت التحالفات لتأمين السكان وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس عادلة، فقد تسهم في الحد من الفوضى. أما إذا تحولت إلى وسيلة لمنح الامتيازات لجماعات بعينها أو لإدارة الموارد وفق الولاءات، فقد تؤدي إلى إعادة إنتاج الانقسامات التي ساهمت في إضعاف الدولة منذ البداية.
إن التحدي الاستراتيجي الحقيقي أمام ليبيا لا يتمثل في فرض السيطرة على الجنوب فحسب، بل في تحويل هذه السيطرة إلى أمن مستدام، وإعادة بناء الثقة بين مكونات فزان، وإخضاع جميع القوى المسلحة لسلطة القانون. فالدولة التي لا تستطيع ضمان الحقوق بالتساوي ستظل معرضة لتنافس مراكز القوة مهما اتسع انتشارها العسكري.
ولذلك، أتصور أن أي مشروع جاد لاستقرار الجنوب ينبغي أن يبدأ بالاعتراف بالمظالم التاريخية ومعالجتها، وتوحيد المؤسسات الأمنية والقضائية، وتطوير الإدارة المحلية وضمان التوزيع العادل للموارد والخدمات. كما ينبغي ألا ينفصل الأمن عن التنمية، لأن المناطق التي تعاني التهميش، والفقر وغياب الفرص تصبح أكثر عرضة لاستغلال الجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة.
إن فزان ليست هامشاً جغرافياً بعيداً عن مركز الدولة الليبية، وإنما هي إحدى ركائز أمنها الوطني والإقليمي. وإذا استمرت أزمة الجنوب من دون معالجة جذورها السياسية، والاجتماعية والاقتصادية، فإن تداعياتها لن تبقى محصورة داخل حدوده، بل ستمتد إلى دول الساحل والصحراء، وتؤثر في أمن الحدود وحركة التجارة واستقرار المجتمعات المحيطة.
وفي تقديري، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الليبيين ليس فقط من يسيطر على الجنوب؟ وإنما كيف يمكن تحويل الجنوب من ساحة للتنافس على النفوذ والموارد إلى فضاء تتكامل فيه المصالح، وتُصان فيه الحقوق وتخضع فيه القوة للقانون؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي المدخل الحقيقي لفهم مستقبل فزان، وهي أيضاً المعيار الذي يمكن من خلاله قياس جدية أي مشروع يسعى إلى استعادة الدولة الليبية.

