المحور الأول: رسالة البرهان إلى ترامب… هل تفتح نافذة جديدة أمام جهود السلام؟
بعث رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة السودانية، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رسالة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أكد فيها التزام السودان بجهود السلام التي ترعاها الولايات المتحدة، واستعداد الحكومة للعمل مع الأطراف المعنية من أجل الوصول إلى سلام عادل ودائم يصون سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه وكرامة شعبه. وجاءت الرسالة في وقت تتواصل فيه التحركات الدولية بشأن وقف الحرب، وتُطرح فيه مبادرات للهدنة الإنسانية، من بينها مقترح أمريكي لوقف القتال لمدة تسعين يوماً.
وتكتسب هذه الرسالة أهميتها من توقيتها؛ إذ تأتي في ظل استمرار العمليات العسكرية، وتفاقم الأزمة الإنسانية، وتصاعد الضغوط الدولية على طرفي الحرب للقبول بترتيبات تتيح وصول المساعدات وتفتح الطريق أمام التسوية السياسية. كما تعكس إدراك القيادة السودانية أن إدارة الحرب لا تنفصل عن إدارة العلاقات الدولية، وأن أي مسار للسلام يحتاج إلى معالجة التباينات بين الرؤية السودانية ومواقف القوى الخارجية.
غير أن توجيه رسالة سياسية إلى الرئيس الأمريكي لا يعني بالضرورة حدوث تحول كامل في الموقف الأمريكي، ولا يثبت وحده أن اتفاقاً وشيكاً قد أصبح في المتناول. فالمسألة تتوقف على مضمون الاتصالات اللاحقة، ومدى التوافق على شروط وقف إطلاق النار، وآليات مراقبته، وضمان وصول المساعدات، والتعامل مع القوات المنتشرة في مناطق القتال.
ويظل السؤال الأساسي: هل تتجه واشنطن نحو مقاربة أكثر قدرة على الجمع بين الضغط الدبلوماسي والضمانات العملية، أم ستبقى جهودها محصورة في الدعوة إلى هدنة لا تتوافر لها شروط التنفيذ؟ فنجاح أي مبادرة لا يقاس بالإعلان عنها، وإنما بقدرتها على وقف استهداف المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، ومنع استغلال الهدنة لإعادة ترتيب العمليات العسكرية، وإطلاق مسار سياسي سوداني جاد.
ومن المهم كذلك ألا يتحول التواصل مع الإدارة الأمريكية إلى بديل عن بناء توافق داخلي حول مستقبل الدولة. فالتسوية المستدامة تحتاج إلى معالجة جذور الصراع، وترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ، وحماية مؤسسات الدولة، وإشراك القوى السودانية في تحديد مستقبل البلاد، بعيداً عن فرض حلول لا تراعي تعقيدات الواقع السوداني.
المحور الثاني: أرامكو والسودان… النفط بوصفه مدخلاً لاستعادة الاقتصاد
في تطور اقتصادي مهم، أعلنت وزارة الطاقة السودانية إجراء مباحثات مع شركة أرامكو السعودية بشأن توفير إمدادات استراتيجية منتظمة من المنتجات البترولية للسودان، بما يسهم في تعزيز أمن الإمدادات واستقرار السوق المحلية. وجاءت هذه التحركات خلال مشاركة وزير الطاقة السوداني في فعاليات متخصصة بقطاع الطاقة في السعودية، إلى جانب اتصالات مع مسؤولين سعوديين معنيين بملف الطاقة
ويأتي هذا التحرك في وقت يعاني فيه السودان من اضطراب إمدادات الوقود وارتفاع تكاليف النقل وتراجع النشاط الصناعي والزراعي، وهي مشكلات تتجاوز قطاع النفط لتؤثر في أسعار السلع الأساسية وحركة التجارة والخدمات العامة. فالوقود ليس مجرد سلعة تجارية، بل عنصر رئيسي في تشغيل محطات الكهرباء، ونقل الغذاء، وتشغيل المصانع والآليات الزراعية، وتحريك سلاسل الإمداد.
كما طُرحت في سياق التعاون السعودي السوداني مشروعات لتأهيل مصفاة الخرطوم وإنشاء منشأة تكرير جديدة على ساحل البحر الأحمر. وكانت وزارة الطاقة قد أعلنت في سبتمبر الماضي مذكرة تفاهم مع مجموعة «طويق» السعودية بشأن إعادة تأهيل المصفاة وإنشاء منشأة جديدة، وهو مسار ينبغي تمييزه عن المباحثات المتعلقة بإمدادات أرامكو؛ فالمعلومات المتاحة لا تعني أن أرامكو نفسها وقعت عقداً نهائياً لإنشاء المصفاة الجديدة.
ومن الناحية الاستراتيجية، يمكن أن يشكل التعاون النفطي مع السعودية فرصة لتقليل الاختناقات في الإمدادات، وتهيئة الظروف لاستعادة النشاط الاقتصادي، بشرط الانتقال من التفاهمات والمذكرات إلى اتفاقات تنفيذية واضحة تحدد الكميات والأسعار وآليات التمويل ومواعيد التسليم والضمانات.
وتبرز هنا أهمية بناء شراكة اقتصادية لا تقتصر على استيراد المنتجات البترولية، بل تمتد إلى تطوير البنية التحتية للتكرير والتخزين والنقل، وتأهيل الكفاءات السودانية، ورفع كفاءة إدارة قطاع الطاقة. فاستيراد الوقود يمكن أن يعالج نقصاً عاجلاً، لكنه لا يغني عن استعادة القدرة الوطنية على التكرير والإنتاج والتوزيع.
وتظل الشفافية في شروط الاتفاقات، والقدرة على الوفاء بالالتزامات المالية، وحماية المنشآت النفطية، واستقرار البيئة الأمنية، عوامل حاسمة في تحويل التعاون إلى مكاسب اقتصادية مستدامة تنعكس على حياة المواطنين.
المحور الثالث: استعادة موقع استراتيجي في دارفور وقصف مواقع في كردفان
على الصعيد العسكري، أفادت تقارير يوم 16 أكتوبر بأن القوات المسلحة السودانية استعادت السيطرة على منطقة بئر كليكِل في محلية جبل مون بولاية غرب دارفور، في تطور وصفته السلطات المحلية بأنه ذو أهمية استراتيجية. كما تحدثت التقارير عن تنفيذ ضربات جوية استهدفت مواقع لقوات الدعم السريع في منطقتي أم سُميمة وأبو حراز بولاية شمال كردفان.
وتأتي هذه التطورات في سياق صراع تتغير فيه أهمية المواقع بحسب ارتباطها بخطوط الإمداد والتحرك بين المناطق، وقدرتها على تأمين التجمعات السكانية أو الضغط على الخصم. فالمكسب الميداني لا يقتصر على السيطرة على منطقة بعينها، وإنما يرتبط بقدرة القوات على الاحتفاظ بها، وتأمين الطرق المؤدية إليها، ومنع تحولها إلى نقطة انطلاق لهجمات مضادة.
وفي دارفور، تزداد الأهمية الاستراتيجية للمواقع القريبة من المسارات الحدودية والمناطق التي تشهد تحركات متواصلة للقوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع والقوات المشتركة. كما أن تعدد القوى المسلحة وتباين تحالفاتها يجعل أي تقدم عسكري مرتبطاً بقدرة القيادة على إدارة العلاقات بين التشكيلات المختلفة، وتنسيق المهام، وتحديد المسؤوليات، ومنع نشوء مراكز قوة متنافسة.
أما في كردفان، فإن استمرار الضربات والاشتباكات يؤكد أن المنطقة لا تزال جزءاً أساسياً من مسار الحرب، نظراً لموقعها الرابط بين وسط السودان وغربه، وتأثير السيطرة على طرقها في حركة القوات والإمدادات. وتبقى حماية المدنيين والمنشآت المدنية، ومنع الانتقام، وتأمين وصول المساعدات، عناصر ضرورية عند تقييم نتائج أي تقدم ميداني.
ومن المهم عدم التعامل مع استعادة موقع أو تنفيذ ضربة جوية بوصفهما دليلاً كافياً على حسم الجبهة بأكملها. فالحسم العسكري يرتبط بتماسك خطوط السيطرة، واستدامة الإمداد، والقدرة على إدارة المناطق التي تتغير السيطرة عليها، وتقليل المخاطر التي تهدد السكان.
وعليه، فإن التطورات في غرب دارفور وشمال كردفان ينبغي قراءتها ضمن خريطة أوسع لإعادة توزيع الضغط العسكري، مع انتظار اتضاح أثرها على خطوط الحركة والإمداد خلال الأيام المقبلة، من دون افتراض أن التغيرات الميدانية وحدها تعني اقتراب نهاية الحرب.
المحور الرابع: «درع الغرب»… إعادة تنظيم القوى المسلحة أم نشوء مركز قوة جديد؟
عاد اسم «درع الغرب» إلى واجهة النقاش السياسي والعسكري، بعد تداول تقارير عن تحركات لتجميع قيادات وقوات منشقّة عن قوات الدعم السريع، في إطار تشكيل جديد يضم شخصيات وقيادات من دارفور. وقد ارتبطت هذه التحركات بأسماء من بينها النور القبة وموسى هلال، في سياق محاولات لاستقطاب عناصر من البيئة القبلية والعسكرية التي كانت لها صلات سابقة بقوات الدعم السريع.
ويثير هذا التطور أسئلة تتجاوز الإعلان عن تشكيل قوة جديدة؛ إذ يتعلق الأمر بمستقبل العلاقة بين القوات المسلحة السودانية والقوات المتحالفة معها، وحدود دمج التشكيلات المسلحة، وكيفية منع تكرار تجربة تعدد القوات ذات الولاءات المتباينة داخل الدولة.
فمن جهة، يمكن أن تؤدي الانشقاقات وإعادة تنظيم بعض العناصر إلى إضعاف قدرات قوات الدعم السريع، إذا تحولت إلى انتقال فعلي للقوات والموارد والمعلومات إلى جانب القوات المسلحة السودانية. ومن جهة أخرى، فإن إنشاء تشكيلات مسلحة جديدة خارج تسلسل قيادة موحد قد يؤدي إلى تعقيد المشهد الأمني، حتى إذا كان هدفها المعلن مواجهة قوات الدعم السريع.
وقد عبّر حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، عن مخاوف من إنشاء قوة مسلحة جديدة برعاية الدولة، في موقف يعكس حساسية ملف التشكيلات العسكرية في الإقليم، وتنافس القيادات على النفوذ والتمثيل والترتيبات الأمنية المستقبلية. وتبرز هنا ضرورة التمييز بين الخلاف حول قيادة قوة بعينها، وبين المبدأ الأوسع المتعلق بضرورة توحيد السلاح والقرار العسكري تحت مؤسسات الدولة.
إن تجربة السودان خلال العقود الماضية تشير إلى أن بناء قوى مسلحة موازية قد يحقق مكاسب تكتيكية في بعض الظروف، لكنه يخلق مخاطر طويلة الأمد عندما تغيب قواعد واضحة للتجنيد والتمويل والقيادة والمساءلة. لذلك، فإن أي تشكيل جديد ينبغي أن يخضع لقانون معلوم، وقيادة محددة، ومهام معلنة، وترتيبات زمنية واضحة للدمج أو إعادة التنظيم.
كما أن استيعاب المنشقين لا ينبغي أن يتحول إلى سباق لتوسيع أعداد المقاتلين على حساب بناء جيش وطني مهني. فالمعيار الأهم ليس عدد التشكيلات التي تنضم إلى طرف، بل قدرة الدولة على منع نشوء مراكز قوة مستقلة، وضمان عدم استخدام السلاح في التنافس السياسي أو فرض النفوذ المحلي.
وفي دارفور تحديداً، ترتبط هذه القضية بمستقبل الإدارة المدنية، والعلاقة بين المجتمعات المحلية، وحماية المدنيين، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمناطق التي تعرضت للحرب والانتهاكات. ومن ثم، فإن تنظيم القوى المسلحة جزء من الحل السياسي والأمني، وليس مجرد تفصيل عسكري منفصل.
المحور الخامس: مناوي يكشف وساطات ما قبل الحرب… ماذا تقول التجربة؟
أعاد حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، فتح ملف الاتصالات التي سبقت اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، موضحاً أنهم شاركوا في تحركات ووساطات هدفت إلى تقريب وجهات النظر بين قيادة القوات المسلحة السودانية وقيادة قوات الدعم السريع، ومحاولة تفادي المواجهة العسكرية. وذكر أن وفداً ضم قيادات سياسية وعسكرية التقى البرهان في الساعات الأولى من يوم اندلاع الحرب، وكان من المقرر عقد لقاء مع حميدتي في وقت لاحق، غير أن القتال اندلع قبل انعقاده.
وتعيد هذه الإفادات تسليط الضوء على الأيام الأخيرة التي سبقت الحرب، وعلى حجم المخاوف التي كانت قائمة بشأن التصعيد، وعلى محدودية قدرة الوساطات آنذاك على تحويل الاتصالات إلى اتفاق ملزم. كما تطرح سؤالاً جوهرياً بشأن طبيعة الأزمة التي سبقت الحرب: هل كانت مجرد خلاف على دمج القوات والترتيبات الأمنية، أم أنها ارتبطت أيضاً بتنافس على السلطة، واختلاف في تصورات مستقبل الدولة، وضعف الثقة بين مراكز القرار؟
ولا تكفي الإفادات الفردية وحدها لإعادة بناء الصورة كاملة؛ إذ يحتاج فهم تلك المرحلة إلى جمع روايات الأطراف المختلفة، وتحديد التسلسل الزمني للقرارات والتحركات، والتمييز بين ما شاهده المشاركون مباشرة وما نقل إليهم من معلومات أو تقديرات. لكن أهمية ما أورده مناوي تكمن في تأكيد أن الحرب لم تكن حدثاً بلا مقدمات، وأن محاولات الوساطة لم تنجح في منع الانتقال من الخلاف السياسي والعسكري إلى المواجهة المفتوحة.
كما أن هذه التجربة تقدم درساً مهماً للمبادرات الحالية: فوجود اتصالات ولقاءات لا يكفي إذا لم تُحسم القضايا الأساسية، وتُحدَّد آليات التنفيذ والرقابة، وتُنشأ ضمانات تمنع التراجع عن الاتفاقات. ويجب ألا تكون الهدنة مجرد توقف مؤقت للعمليات يعقبه استئناف القتال بشروط أشد تعقيداً.
وتحتاج أي وساطة جديدة إلى معالجة المسائل التي أخفقت الوساطات السابقة في حلها، وفي مقدمتها مستقبل القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وترتيبات الأمن، والسلطة المدنية، ومساءلة المتورطين في الانتهاكات، وحماية المدنيين، ووحدة الدولة.
وفي هذا السياق، فإن استعادة تفاصيل ما قبل الحرب لا ينبغي أن تتحول إلى تبادل للاتهامات فقط، بل إلى فرصة لفهم أسباب الانهيار المؤسسي والسياسي، ووضع ضمانات تمنع تكرار التجربة في المستقبل.
المحور السادس: السيسي والجهود المصرية السابقة… بين منع الحرب وإدارة تداعياتها
قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في تصريحات نُشرت يوم 15 أكتوبر، إن مصر تدخلت في مناسبات عدة لمنع التصعيد العسكري في السودان قبل اندلاع الحرب، وإن تلك الجهود نجحت في تجنب المواجهة في بعض المرات، لكنها لم تنجح في منع الحرب بصورة نهائية.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتزايد فيه أهمية الدور المصري في الملف السوداني، سواء من خلال الاتصالات السياسية أو التنسيق الإقليمي أو استضافة السودانيين الذين اضطروا إلى مغادرة بلادهم بسبب الحرب. وكانت القاهرة قد أكدت، خلال لقاء السيسي بالبرهان في العلمين في 4 أكتوبر، دعم وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه وتماسك مؤسساته الوطنية، إلى جانب الدفع نحو حل سياسي يضع حداً للحرب ويخفف المعاناة الإنسانية.
ومن الناحية السياسية، تعيد تصريحات السيسي النقاش حول طبيعة الوساطات التي جرت قبل الحرب، والأطراف التي شاركت فيها، والملفات التي تعثرت، ومدى تأثير التنافس بين مراكز القوة السودانية في إفشال محاولات احتواء الأزمة. لكنها لا تكشف وحدها تفاصيل تلك الاتصالات أو أسباب عدم نجاحها جميعاً؛ إذ تظل هذه الجوانب بحاجة إلى معلومات أكثر تفصيلاً من الأطراف المعنية.
أما في المرحلة الراهنة، فتواجه مصر معادلة دقيقة: الحفاظ على أمن حدودها ومصالحها الاستراتيجية، وتجنب انتقال الحرب إلى أراضيها، والمساهمة في دعم تسوية تحفظ وحدة السودان، مع التعامل مع الأعباء الاقتصادية والإنسانية الناجمة عن استمرار النزاع.
ويكتسب هذا الدور أهمية إضافية في ظل التوترات التي شهدتها الحدود الشمالية، بما فيها حادث المعدّنين، وما رافقه من اتهامات وردود فعل، فضلاً عن تعطل حركة الشاحنات والمعابر في الأيام الأخيرة. ومن هنا، فإن التواصل السياسي والأمني بين الخرطوم والقاهرة لا ينبغي أن يقتصر على إدارة الخلافات الطارئة، بل يجب أن يشمل آليات واضحة لحماية المدنيين، والتحقيق في الحوادث، وتأمين حركة التجارة، ومنع التصعيد الإعلامي.
كما أن نجاح أي دور إقليمي يتطلب الحفاظ على المسافة بين الوساطة والدوران في فلك حسابات الأطراف المتحاربة. فالمطلوب هو دعم مسار يتيح للسودانيين معالجة خلافاتهم بأنفسهم، مع تقديم الضمانات والمساندة الإقليمية والدولية، لا استبدال القرار السوداني بتفاهمات خارجية.
المحور السابع: المجاعة وارتفاع الأسعار… الجبهة التي تهدد المجتمع السوداني
في موازاة التطورات العسكرية والدبلوماسية، تتسع المخاطر الإنسانية في السودان مع استمرار الحرب، وتراجع الإنتاج الزراعي في مناطق واسعة، وتدهور القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف النقل، وتعطل الأسواق وسلاسل الإمداد. وقد حذرت منظومة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي في 12 أكتوبر من تزايد مخاطر المجاعة في أجزاء من دارفور وكردفان، نتيجة تداخل القتال والنزوح والجفاف ونقص التمويل الإنساني.
وتشير التقديرات الإنسانية المنشورة إلى أن نحو 19.5 مليون شخص يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، فيما يظل مئات الآلاف في أوضاع شديدة الخطورة. كما أن الجفاف المرتبط بالتغيرات المناخية، وضعف الأمطار في مناطق واسعة، وتراجع المحاصيل، تزيد من هشاشة الأسر التي فقدت مصادر دخلها أو اضطرت إلى النزوح من مناطقها.
ولا تنحصر الأزمة في نقص الغذاء من حيث الكمية، بل تشمل صعوبة الوصول إليه بسبب ارتفاع الأسعار وتكاليف النقل وانخفاض قيمة العملة وتراجع فرص العمل. ففي أجزاء من دارفور، تحدثت تقارير محلية عن زيادات كبيرة في أسعار الحبوب والسلع الأساسية، الأمر الذي يجعل الغذاء متاحاً في بعض الأسواق من الناحية النظرية، لكنه خارج قدرة كثير من الأسر على الشراء.
وتزداد المخاطر في المناطق التي يصعب الوصول إليها بسبب العمليات العسكرية أو القيود الأمنية، حيث قد يتزامن نقص الغذاء مع ضعف الخدمات الصحية والمياه النظيفة وارتفاع معدلات سوء التغذية، خصوصاً بين الأطفال والنساء والنازحين.
وتكشف هذه التطورات أن الحرب لا تُقاس بخسائر القوات والمواقع وحدها؛ فهناك جبهة أخرى تتعلق بقدرة المجتمع على البقاء، وبمستقبل الزراعة والتعليم والصحة والعمل. وإذا استمر انهيار مصادر الرزق، فقد تصبح آثار الحرب طويلة الأمد حتى في المناطق التي تتوقف فيها المعارك.
ومن هنا، فإن مواجهة المجاعة تحتاج إلى وقف استهداف المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق، وتأمين الطرق والمخازن والأسواق، وتوفير التمويل للعمليات الإغاثية، ودعم المزارعين في مناطق الإنتاج الممكنة. كما يتطلب الأمر معالجة الاختناقات في الوقود والنقل، لأن ارتفاع تكلفة نقل الغذاء ينعكس مباشرة على سعره النهائي.
ولا يمكن فصل هذه الأولويات عن المسار السياسي؛ فالمساعدات قد تخفف المعاناة، لكنها لا تستطيع بمفردها إنهاء أسبابها. وكلما تأخر وقف الحرب، اتسعت الفجوة بين احتياجات السكان والموارد المتاحة للاستجابة.
المحور الثامن: بين التحولات العسكرية والاقتصاد والدبلوماسية… إلى أين تتجه الأزمة؟
تكشف التطورات الأخيرة عن تزامن ثلاثة مسارات مترابطة: مسار عسكري يتواصل في دارفور وكردفان، ومسار دبلوماسي يحاول فتح نافذة جديدة للسلام عبر التواصل الأمريكي والتحركات الإقليمية، ومسار اقتصادي وإنساني يزداد تعقيداً مع أزمة الوقود، وارتفاع الأسعار ومخاطر المجاعة.
فعلى الصعيد العسكري، قد تؤثر استعادة مواقع استراتيجية أو انضمام عناصر منشقة إلى تشكيلات أخرى في توزيع القوة على الأرض، لكنها لا تكفي وحدها لإنهاء الحرب ما لم تترافق مع قدرة على تثبيت الأمن وإدارة المناطق وتأمين المدنيين. كما أن ظهور تشكيلات مسلحة جديدة يطرح تحدياً أمام مشروع استعادة الدولة، إذا لم تُضبط علاقتها بالمؤسسات العسكرية والقانونية.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، تمثل رسالة البرهان إلى ترامب مؤشراً على استمرار التواصل مع واشنطن، بينما تعيد تصريحات السيسي فتح النقاش حول فرص الوساطة الإقليمية ومسؤولية الأطراف عن منع الحرب. لكن نجاح التحركات الخارجية سيظل مرتبطاً بمدى قدرتها على الانتقال من البيانات السياسية إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ، ومن الهدن المؤقتة إلى ترتيبات أكثر استدامة.
أما اقتصادياً، فإن مباحثات إمدادات النفط مع أرامكو والتعاون السعودي في قطاع التكرير قد يفتحان مجالاً لتحسين الإمدادات، لكن الأثر الفعلي يتوقف على توقيع الاتفاقات وتنفيذها، وعلى القدرة على إعادة تشغيل البنية التحتية وتوفير التمويل وحماية المنشآت.
وفي المقابل، تظل المجاعة وارتفاع الأسعار اختباراً مباشراً لفاعلية الدولة والمجتمع الدولي. فلا يمكن الحديث عن التعافي الاقتصادي في وقت يعجز فيه ملايين المواطنين عن الحصول على الغذاء الكافي، أو تتعطل فيه الطرق التجارية، أو تتعرض فيه مناطق الإنتاج والنقل للقتال.
وتفرض هذه المعطيات ضرورة ربط المسارات الثلاثة ضمن رؤية واحدة: وقف الحرب، وتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، وحماية المدنيين، وتوفير الوقود والغذاء، وإعادة بناء الاقتصاد، وإطلاق حوار سوداني–سوداني يعالج جذور الأزمة ويضع أسساً واضحة لمستقبل الدولة.
التقدير الاستراتيجي الموحد والنهائي
تشير تطورات 16 أكتوبر 2026 إلى أن الأزمة السودانية دخلت مرحلة تتداخل فيها إعادة ترتيب موازين القوة العسكرية مع محاولات تنشيط المسار الدبلوماسي، في وقت تتصاعد فيه المخاطر الاقتصادية والإنسانية. وتمثل رسالة البرهان إلى ترامب قناة سياسية جديدة يمكن أن تسهم في دفع جهود السلام، لكنها لا تعني بمفردها حدوث اختراق حاسم، إذ يبقى الاختبار في شروط الهدنة وآليات تنفيذها وضماناتها.
وفي الجانب الاقتصادي، تفتح المباحثات مع أرامكو والتعاون السعودي في قطاع النفط مجالاً لتحسين أمن الإمدادات، إلا أن تحويل هذا المسار إلى نتائج ملموسة يتطلب اتفاقات تنفيذية وتمويلاً واضحاً، إلى جانب استعادة البنية التحتية وحماية منشآت الطاقة. كما أن إعادة تنظيم القوى المسلحة في دارفور، بما في ذلك الجدل حول «درع الغرب»، تضع مسألة توحيد السلاح والقرار العسكري في قلب تحديات استعادة الدولة.
أما تصريحات مناوي بشأن الوساطات السابقة، فتؤكد أهمية مراجعة أسباب فشل منع الحرب، واستخلاص الدروس التي تضمن ألا تتحول المبادرات الحالية إلى اتصالات بلا ضمانات. وتظل مواقف مصر والتحركات الأمريكية والإقليمية ذات أهمية، بشرط أن تدعم حلاً سودانياً يحفظ السيادة والوحدة ويمنع فرض تسويات لا تحظى بقبول داخلي واسع.
غير أن العامل الأكثر إلحاحاً يتمثل في تفاقم انعدام الأمن الغذائي وارتفاع الأسعار؛ فاستمرار المجاعة المحتملة وتدهور القدرة الشرائية يهددان حياة ملايين السودانيين، ويجعلان حماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات وتأمين طرق التجارة والوقود أولويات لا تحتمل التأجيل.
وبناءً على ذلك، فإن مسار الأزمة سيظل مرتبطاً بتفاعل ثلاثة عناصر: التطورات الميدانية، ومدى جدية التحركات الدبلوماسية وقدرة مؤسسات الدولة والمجتمع الدولي على الحد من الانهيار الإنساني والاقتصادي. ولا يكفي تقدم عسكري منفرد أو اتفاق اقتصادي أولي أو رسالة سياسية لتحقيق الاستقرار، فالمطلوب هو تحويل هذه المسارات إلى خطوات عملية متكاملة تنهي الحرب، وتوحد المؤسسات، وتحمي المواطنين وتفتح الطريق أمام إعادة الإعمار والتعافي الوطني.

